
يعيش معظم سكان جنوب لبنان حالة من القلق الشديد والخوف من أن تكون الجولات العنيفة للقصف التي شنها الجيش الإسرائيلي على عدد من البلدات، بداية لتصعيد قد يؤدي إلى نشوب حرب جديدة بين «حزب الله» وإسرائيل. في حال حدوث ذلك، سيكون السكان مضطرين لمغادرة منازلهم وبلداتهم، مما يعني العودة إلى تجربة النزوح مرة أخرى، وما يصاحبها من معاناة، وذلك بعدما بدأ البعض في إعادة ترتيب حياتهم، وترميم منازلهم، واستئناف حياتهم بشكل طبيعي.
تقول سمر أبو زيد: «السبت كان يوماً مخيفاً بالنسبة لنا، شعرنا برعب شديد من احتمال تصاعد الأمور بشكل أكبر. لن نكذب إذا قلنا إننا اعتدنا القصف، وإن أصوات الطيران الحربي لم تعد تخيفنا، لكننا نعيش في حالة من الرعب الدائم».
سمر، التي تسكن مع أطفالها الخمسة في بلدة كفرا الجنوبية (قضاء بنت جبيل)، عانت من تجربة النزوح خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، وتعيش اليوم قلقاً مستمراً من احتمال تكرار هذه التجربة والوجهة التي قد تتوجه إليها في حال اضطرت للهروب.
وتضيف سمر: «أول ما خطر في بالي هو: إلى أين سنذهب أنا وعائلتي؟ هذا يشكل أكبر هاجس لي، خاصة أن ظروفنا لا تسمح بذلك. بدأنا من الصفر بعد الحرب بسبب تضرر عمل زوجي، وحتى الآن لم نحصل على تعويض من أي جهة».
وتكمل سمر: «قد يكون ما حدث يوم السبت مجرد تصعيد كبير، ولكن القصف الإسرائيلي لم يتوقف رغم اتفاق وقف إطلاق النار. ربما كان ما اختلف يوم السبت هو كثافة الهجمات المتتالية، لكن دوامة العنف لم تنته، ونحن نعيشها يومياً».
في سياق مشابه، عاشت سكينة، وهي سيدة ثلاثينية وأم لطفلين، نفس مشاعر الخوف. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت في منزلي عندما بدأت الموجة الأولى من الضربات، عند ساعات الظهر الأولى. شعرت بالخوف والضياع، خصوصاً عندما بدأ أولادي بالبكاء والصراخ».
سكينة، التي تسكن في حومين (النبطية)، تشير إلى أن الضربات لم تكن قريبة جداً من منزلها، لكن الأصوات كانت عالية ومخيفة. وعادت الذاكرة إلى يوم الاثنين 23 أيلول الماضي، عندما توسعت الحرب، وأجبر الأهالي على الخروج من منازلهم دون معرفة الوجهة التي سيهربون إليها. وتقول سكينة: «تذكرت ذلك اليوم بكل تفاصيله، وأحداثه، عادت إليّ مشاعر الخوف نفسها، وكان كل همّي: كيف أحمي أولادي وألا أدع الخوف يسيطر عليهم. واليوم، مرّوا بتجربة خوف مشابهة، لكنني لم أتمكن من التخفيف عنهم».
ورغم ذلك، لم يكن لدى سكينة أي فكرة عن الخروج من منزلها إلى مكان أكثر أماناً. تقول: «عانينا كثيراً عندما هُجّرنا من منازلنا في الماضي. عشت النزوح من مكان إلى آخر لمرات عديدة، وكانت ظروفنا صعبة للغاية».
وتضيف سكينة، في حديثها عن تجربة النزوح: «أخاف أن يتكرر هذا الاختبار الصعب… وأكثر من ذلك، أصبحنا نقول: الموت داخل منازلنا سيكون أهون علينا من تجربة النزوح المُرّة».
ولا يختلف حال الشابة اللبنانية مهى (25 سنة)، وهي من بلدة الدوير بقضاء النبطية. تقول: «عدنا بذاكرتنا إلى يوم الاثنين المشؤوم (23 أيلول 2024). شعرت أن قلبي سيتوقف عن الخفقان. كانت أعصابي مشدودة، وكلما سمعنا الغارات، كنت أقفز من مكاني، وكذلك فعل إخوتي، ربما كنا نحاول تغيير أماكننا تحسباً من أن يسقط سقف المنزل على رؤوسنا. لا أستطيع أن أصف شعورنا، إنه تأثير الخوف».
تروي مهى لـ«الشرق الأوسط» كيف سيطر عليها شعور من الخوف والضياع في آن واحد: «وحده الانتظار كان سيد الموقف، رغم أن الضربات الإسرائيلية أصابت أهدافاً في محيط النبطية، وليس في البلدة نفسها».
وعن تفاصيل يوم السبت، الذي صادف 22 رمضان، تقول مهى: «عشنا ساعات من النقاش بين أفراد العائلة حول خيار الخروج من المنزل في حال اشتد القصف. سيطر علينا الخوف، وانقسمنا بين مؤيد لفكرة الهروب ومعارض لها، وانتهى بنا الأمر نتابع الأخبار لحظة بلحظة على هواتفنا».
وتعبر مهى عن مخاوفها، التي تشترك فيها مع غالبية الجنوبيين، قائلة: «نخشى من تكرار تجربة النزوح مرة أخرى بكل مآسيها وصعوباتها. كما أننا نخشى من فقدان أفراد من عائلاتنا. لم تعد لدينا قدرة على تحمل هذا الكم من التعب والمعاناة. لا نملك القدرة على ذلك».
وتضيف: «نحن لا نزال نعيد ترتيب أمور منزلنا وحياتنا. واليوم، في شهر الصوم، سيكون الأمر صعباً علينا إذا اضطررنا للخروج من منازلنا ونحن صائمون، وما زالت الحرب لم تنته بعد… نعيش يومياً تحت وطأة استهدافات وغارات إسرائيلية».
المصدر: الشرق الأوسط ، حنان حمدان
