هدى شديد: من ريادة الإعلام اللبناني إلى تحديات المرض… رحلة مليئة بالإنجازات التي ستبقى خالدة في الوجدان الإعلامي رغم رحيلها المبكر

بقلم: ندى جوني

في مهنةٍ تقوم على طرح الأسئلة، هناك من يتحوّلون مع الوقت إلى السؤال نفسه. فكيف يمكن أن يصمد الإنسان في وجه أعباء الحقيقة حين تصبح الكلمة مسؤولية؟ وحين يُصبح نقل الواقع معركة يومية بين الضمير والخوف؟
لم تكن هدى شديد مجرّد إعلامية تتنقّل بين الأحداث، بل كانت شاهداً حيًّا على لحظات مفصلية في تاريخ لبنان. إنها الإمرأة التي أدركت أن الصحافة ليست مهنة محايدة في بلد مأزوم ومتخبط في صراعاته التي لا تنتهي، بل خيارٌ وجودي بين الصمت والكشف، بين التراجع والمواجهة.
في زمنٍ أصبحت فيه الحقيقة سلعة تُباع وتُشترى، اختارت هدى شديد أن تكون صوتاً صادقاً وسط ضجيج المساومات. لم يكن الطريق الذي سلكته سهلًا؛ فالصحافي في بلد مثل لبنان لا يكتفي برواية الأحداث، بل يُصبح جزءاً منها. في كل تقرير أعدّته، وفي كل كلمة نطقتها، كانت تدرك أن للكلمة ثمنًا، وأن الالتزام بالحقيقة قد يُصبح عبئًا ثقيلًا على من يرفضون التنازل أو الخضوع.
إذاً، ما الذي يجعل إعلامية واحدة تتجاوز حدود وظيفتها لتتحوّل إلى رمز؟ وكيف يمكن لصوتٍ فردي أن يُعبّر عن هموم جماعية في بلد تتداخل فيه السياسة بالحياة اليومية؟ في مسيرة هدى شديد، لم يكن الإعلام مجرّد مهنة، بل التزامٌ عميق بقضية الإنسان والوطن، التزامٌ بقي حاضراً حتى في أوج معركتها مع المرض.

النشأة والمسار المهني: كيف بدأت هدى شديد رحلتها في عالم الإعلام؟

ولدت الإعلامية اللبنانية عام 1965، وأكملت تعليمها العالي في مجال الإعلام الصحافة. لقد بدأت مسيرتها المهنية مع المؤسسة اللبنانية للإرسال، حيث تخصصت في التغطية الميدانية للأحداث السياسية والأمنية. كما أنها تميزت بمهنيتها العالية وقدرتها على التعامل مع المواقف الصعبة.
خلال مسيرتها، أثبتت هدى شديد مهاراتها في إعداد التقارير والتحقيقات الإستقصائية، مما جعلها واحدة من الوجوه الإعلامية الموثوقة لدى الجمهور اللبناني. كما أنها عرفت بطرحها للأسئلة المباشرة، وتناولها للملفات الشائكة بحرفية عالية. مما عزز مكانتها كمراسلة تعتمد على الدقة والموضوعية في نقل الأحداث.
ومع مرور الوقت، تطورت مسيرتها من التغطية الميدانية إلى تقديم ملفات وتقارير معمّقة تسلّط الضوء على القضايا السياسية والإجتماعية التي تهم الشارع اللبناني. لقد ساهم هذا النهج في ترسيخ صورتها كإعلامية استطاعت أن توازن بين نقل الواقع بصدق وبين احترام المعايير المهنية.

بداياتها المهنية: خطوات راسخة في الصحافة اللبنانية


لم تكن هدى شديد مجرد مراسلة ميدانية، بل شكّلت علامة فارقة في تاريخ الإعلام اللبناني عبر مسيرة امتدت لعقود، تميّزت خلالها بالشجاعة والموضوعية والالتزام بقضايا الوطن والمجتمع. لقد استطاعت أن تترك أثراً واضحاً وبصمة فارقة في كل محطة مهنية خاضتها، جامعَةً بين الحرفية العالية والجرأة في نقل الحقيقة.
بدأت هدى شديد رحلتها المهنية في مجال الإعلام خلال مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان. عملت في الصحافة المكتوبة في بداياتها، حيث انطلقت من جريدة “النهار”، إحدى أعرق الصحف اللبنانية، ثم انتقلت إلى العمل مع وكالة “رويترز”، ما أكسبها خبرة واسعة في تغطية الأحداث المحلية والدولية. ضمن الإطار المذكور، لقد ساعدها هذا التنوع في بناء قاعدة صلبة من المعرفة والمهارات الصحافية التي مهّدت لانتقالها إلى الإعلام المرئي.
في بداية التسعينات انضمت شديد إلى ” المؤسسة الإعلامية للإرسال “، حيث أصبحت واحدة من أبرز وجوهها الإعلامية. إذ تميزت بتغطيتها الميدانية للأحداث الكبرى، معتمدة على أسلوب دقيق وواضح في نقل المعلومات والحقائق بعيداً عن التهويل والإنحياز.

التغطية من القصر الجمهوري: شاهد على التحولات السياسية


كانت هدى شديد من أوائل المراسلات اللواتي تسلمن ملف القصر الجمهوري، وهو دور يتطلب مستوى عالٍ من المهنية من جهة، والقدرة على التعامل مع تعقيدات المشهد السياسي اللبناني من جهة أخرى. على مدار أكثر من ثلاثين عامًا، غطّت شديد تفاصيل العهود الرئاسية المتعاقبة، بدءًا من عهد إلياس الهراوي وصولًا إلى ميشال عون.
اتفاق الطائف (1989): تابعت عن كثب مرحلة ما بعد الإتفاق، حيث لعبت دوراً بارزاً في نقل تداعايته على المشهد السياسي اللبناني.
انسحاب الجيش السوري (2005): كانت شاهدة هدى شديد على هذا الحدث الذي غيّر معادلات السلطة في لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
الفراغ الرئاسي (2014-2016): نقلت أدق تفاصيل الأزمة السياسية التي أدت إلى بقاء القصر الجمهوري شاغراً لأكثر من عامين.
لقد تميزت الصحافية والإعلامية هدى شديد بقدرتها على تحليل المواقف السياسية وتقديم تقارير معمقة تكشف أبعاد الأحداث وتداعياتها على الواقع اللبناني.

التغطيات الميدانية: شجاعة في مواجهة المخاطر


لم تكن هدى شديد مجرد ناقلة للأخبار والأحداث السياسية في لبنان. بل خاضت التغطيات الميدانية في أصعب الظروف التي عاشها لبنان، مؤمنة بأن الصحافة الحقيقية تكتب من قلب الميدان. لقد خاطرت بحياتها في كل مرة من أجل تقديم صورة دقيقة وواقعية للأحداث
الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990): واكبت تطورات الحرب والإقتتال الطائفي، حيث نقلت معاناة المدنيين في مدينة تحولت إلى خطوط تماس ومتاريس ترابية تعج بالمسلحين، مما أكسبها تقديراً واسعاً في الأوساط الصحافية.
عدوان تموز (2006): قامت شديد بتغطية تطورات العدوان الإسرائيلي على لبنان، وذلك عبر تقديمها تقارير حيّة من مواقع الحدث في الجنوب اللبناني ومراكز النزوح.
الإنتفاضات الشعبية ضد المنظومة السياسية (2019): تابعت هدى شديد عن قرب الحراك الشعبي ضد الفساد، مقدّمة تغطية متوازنة عن صوت الشارع الذي طالب بدولة مدنية ودولة مؤسسات.

هدى شديد: صوت الحقيقة في ساحات الإعلام وبرامج الحوار


خلال مسيرتها الإعلامية الحافلة، لم تكن هدى شديد معروفة بتقديم برامج تلفزيونية محددة، بل تميزت بدورها البارز كمراسلة ميدانية وصحافية ملتزمة. انضمت إلى فريق المؤسسة اللبنانية للإرسال في أوائل التسعينيات، حيث أصبحت وجهًا مألوفًا في نشرات الأخبار المسائية، مقدمةً تقارير ميدانية معمقة حول التطورات السياسية، الأمنية، والاجتماعية في لبنان والعالم، كما أشار البحث سابقاً.
ضمن السياق المذكور، كانت إحدى أبرز إسهاماتها، في برنامج حواري يومي : ” نهاركم سعيد “، والذي يستضيف شخصيات بارزة لمناقشة مواضيع سياسية، اقتصادية، واجتماعية تهم الشأن اللبناني.
كما شاركت هدى شديد في إعداد وتقديم بعض الحلقات الخاصة من هذا البرنامج، مستفيدةً من خبرتها الواسعة وعلاقاتها المهنية لإثراء النقاشات وتقديم تحليلات معمقة.
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت شديد في إعداد تقارير خاصة وتقارير إخبارية عُرضت خلال نشرات الأخبار، حيث سلطت الضوء على قضايا وطنية حساسة، مثل تغطيتها المتميزة من القصر الجمهوري وتغطياتها الميدانية خلال الأحداث الكبرى في لبنان.

محطات التكريم والاعتراف: مسيرة حافلة بالإبداع والإلتزام


حظيت هدى شديد بتكريمات عديدة تقديرًا لمهنيتها العالية وإسهاماتها الفعّالة في تعزيز الإعلام المسؤول. ورغم أن التكريم الرسمي كان حاضرًا في مسيرتها الإعلامية، إلا أن هدى كانت تعتبر أن ثقة الجمهور وأثرها العميق في المجتمع الإعلامي كانا أبرز الجوائز التي حصلت عليها. فقد تجسّد في مسيرتها الإعلامية نموذجٌ يُحتذى به في الصدق والاستقلالية والالتزام.
درع الاستحقاق الإعلامي من نقابة الصحافة اللبنانية: تم منح هدى هذا الدرع تكريمًا لإسهاماتها المتميزة في تعزيز المهنية الصحافية والإعلامية في لبنان. إذ، يعكس هذا التكريم الاحترام الكبير الذي حظيت به من زملائها في المهنة، كما يعبر عن دورها الريادي في رفع مستوى الصحافة، وجعلها أكثر نزاهة وموضوعية.
جائزة الريادة الإعلامية: منحت هدى هذه الجائزة تقديراً لدورها البارز في تغطية الأحداث الوطنية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية. لقد كانت دائمًا في الصفوف الأمامية لنقل الأحداث الهامة بدقة وموضوعية، مما جعلها مثالًا للصحافي الملتزم الذي يسلط الضوء على القضايا الهامة بما يليق بالمهنية.
تكريم خاص من رئاسة الجمهورية (2025): جاء هذا التكريم تقديراً لمجمل أعمالها الصحافية التي امتدت لأكثر من ثلاث عقود. لم يقتصر التكريم على الإنجازات المهنية فقط. بل امتد ليشمل إيمانها الدائم بأن الصحافة المكتوبة هي وسيلة للتغيير. لقد كانت هدى شديد من أبرز الوجوه الإعلامية التي ساهمت في نقل الحقيقة إلى المجتمع اللبناني بمصداقية عالية، كما أنها لم تتنازل عن القيم الأخلاقية للمهنة. يعدّ هذا التكريم اعترافاً شاملاً بأثرها العميق في الإعلام اللبناني.

معركة الحياة: هدى شديد وصراعها البطولي مع المرض


تلقت هدى شديد خبراً غير متوقع كان بمثابة صدمة لها ولأحبائها. إذ تم تشخيص إصابتها بمرض السرطان. إلاّ أنها اختارت مواجهة هذا التحدي بشجاعة وإيمان، لتحول محنتها إلى رسالة أمل وقوة. ورغم قسوة العلاج والألم الجسدي، رفضت الاستسلام، واختارت أن تكون مصدر إلهام للآخرين.
ضمن السياق نفسه، أصدرت شديد كتابها الشهير ” ليس بالدواء وحده “، عام 2016، والذي تناولت فيه تجربتها الشخصية مع مرض السرطان. لقد سلطت هدى الضوء في هذا الكتاب على أهمية الإيمان الداخلي والدعم النفسي في مواجهة المرض. فالعلاج الطبي وحده لم يكن كافيًا، بل كان الأمل والتشجيع المستمر من الأحباء أساسًا للحفاظ على قوتها الداخلية. ورغم المعاناة اليومية من الألم الجسدي والضغوطات النفسية، استطاعت هدى تحويل هذه التحديات إلى طاقة إيجابية ودروس في المثابرة. من خلال تجربتها، اكتشفت أن الأمل ليس مجرد شعور، بل هو قوة حقيقية تقاوم الألم وتساعد على الشفاء.
كذلك، طرح الكتاب أيضاً، التغيير الشخصي الذي عاشته هدى بعد معركتها مع السرطان، حيث أصبحت ترى الحياة بطريقة مختلفة، مكتسبة بدورها قيمة أكبر للأشياء الصغيرة والتفاصيل البسيطة. في النهاية، يرسل الكتاب رسالة إنسانية تدعو إلى التوعية وتقديم الدعم الكامل لمرضى السرطان، مما يجعل القارئ يدرك وبثقة، بأن الإرادة والتصميم هما مفتاح التغلّب على أي تحدّ حياتي مهما كان صعب.

رحيل هدى شديد: صوت الصحافة الذي كرَّس نفسه لنقل الحقيقة رغم الألم والتحديات


تلقى الشارع اللبناني صدمة كبيرة برحيل هدى شديد، يوم الجمعة: 21/ 3/2025، الإعلامية التي شكلت علامة فارقة في مسيرة الصحافة اللبنانية. لم يكن رحيلها مجرد فاجعة شخصيّة، بل خسارة هائلة لمجتمع إعلامي كان يتطلع دوماً إلى قوتها وصدقها في نقل الحقيقة.
كانت هدى تردد دائماً: “أن تكون صحافيًا في لبنان يعني أن تكون شاهدًا على الألم والأمل في آنٍ معًا. مهمتنا ليست الترفيه أو الترويج، بل قول الحقيقة مهما كانت مُرّة.” بهذه الكلمات، كانت هدى تعيش وتناضل، ملهمةً للأجيال التي تلتها، لتصبح بدورها أيقونة في عالم الإعلام.
خلال مسيرتها الإعلامية، تركت هدى شديد إرثًا عميقًا من الشجاعة والصدق والمثابرة. لم تكن مجرد صحفية، بل كانت صوتًا يعبر عن آلام الناس وآمالهم، وشاهدًا حقيقيًا على الأحداث الكبرى التي شكلت تاريخ لبنان الحديث. بصمتها ستظل حية في وجدان كل من عرفها، وذكراها ستظل جزءًا من تاريخ الصحافة اللبنانية.
وأخيراً: ” أن تُكرَّم وأنت على قيد الحياة يعني أن أحدًا رأى تضحياتك… لكن أن تبقى في وجدان الناس يعني أنك أديت رسالتك بأمانة.” بهذه المقولة تختصر هدى حياتها المهنية ، التي أثبتت من خلالها أن الإعلام ليس مجرد مهنة، بل رسالة مقدسة.

المصادر والمراجع:

-الشرق الأوسط، رحيل الإعلامية هدى شديد… الأحلام العنيدة تتكسَّر، فيفيان حداد.

-الحرّة، ‘ليس بالدواء وحده’.. رحلة هدى شديد مع السرطان في كتاب، 2016.

-سكاي نيوز العربية، في عيد الأم.. لبنان يودع الإعلامية هدى شديد.

-وفاة هدى شديد الإعلامية اللبنانية بعد صراع مرير مع المرض: مسيرة إعلامية خالدة.

-LBC، صلاح سلام يروي بدايات الزميلة هدى شديد: “روحٌ مقاتلة في قلب المهنة”

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top