
يضع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية في سلّم أولوياته السياسية، بالتعاون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. ووفق معلومات خاصة لـ”الشرق الأوسط”، فإن الاجتماع الأخير الذي جمع الرجلين في قصر بعبدا تناول بشكل أساسي مسألة سلاح “حزب الله” وضرورة فتح قنوات حوار مباشرة مع قيادة الحزب لبحث آلية متدرّجة تضمن دمج هذا السلاح ضمن إطار الشرعية وتبديد مخاوف الحزب من أي استهداف لمستقبله السياسي.
ويأتي هذا التوجّه على خلفية إبداء الحزب استعداده لدعم الدولة اللبنانية في مفاوضاتها الجارية لتثبيت وقف إطلاق النار جنوباً، تمهيداً لتطبيق القرار الدولي 1701، في وقت ترى فيه بيروت أن الجانب اللبناني التزم كافة بنود الاتفاق، بينما يبقى على الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل لإجبارها على الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.
الولايات المتحدة تراقب… ولكن بعين على الوقت
وكشفت المصادر أن نائبة المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، عبّرت خلال زيارتها الأخيرة إلى بيروت عن تفهّمها لمبادرة الرئيس عون، معتبرة أن الحوار خطوة ضرورية، لكنها شددت في المقابل على أن عامل الوقت لا يسمح بمسارات تفاوضية طويلة، في ظل ما يعانيه لبنان من أزمات متفاقمة. ولفتت إلى أن واشنطن ترفض اعتماد القوة لانتزاع سلاح الحزب، لما قد يترتّب على ذلك من تهديد للسلم الأهلي.
وفي هذا الإطار، أبدت أورتاغوس استعدادها للقيام بزيارة جديدة إلى بيروت أواخر نيسان أو مطلع أيار، لمتابعة التطورات في ملف الإصلاحات المالية وحصر السلاح، لكنها حذّرت من أن تحويل الحوار إلى عملية “تقطيع وقت” ستكون له تداعيات على علاقة لبنان بالمجتمع الدولي، الذي بات يعتبر حصر السلاح في يد الشرعية مدخلاً أساسياً لإعادة إدراج لبنان على خارطة الدعم الدولية.
حزب الله بلا غطاء إقليمي… وضغوط تتصاعد
وفقاً للمصادر نفسها، فإن “حزب الله”، وإن كان لا يزال يراهن على أن حصرية السلاح لن تتم بكبسة زر، يواجه واقعاً مختلفاً اليوم، إذ تراجعت شبكة حلفائه الإقليميين وبات الرئيس بري حليفه الوحيد الفعلي على الساحة اللبنانية. ومع تبدّل المشهد الإقليمي وتقلّص الدور الإيراني في المنطقة، لم يعد الحزب بمنأى عن الضغوط، سواء من الداخل اللبناني أو من العواصم العربية والدولية، ما يدفعه لإعادة النظر في تموضعه السياسي.
كما حمّلت المصادر الحزب مسؤولية سوء التقدير في دعمه لجبهات غزة مؤخراً، معتبرة أن إقحام لبنان في مواجهة مع إسرائيل كلّفه أثماناً سياسية باهظة، لا يمكن تجاوزها من دون دعم خارجي، لا يبدو في المتناول حالياً ما لم ينخرط الحزب جدياً في مشروع الدولة.
دبلوماسية مكوكية… وسلّة تفاوضية موحّدة
وفي سياق متصل، كشفت المصادر عن طرح أميركي يقضي بتشكيل ثلاث مجموعات دبلوماسية لمتابعة ملفات الأسرى اللبنانيين، والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وتثبيت الحدود. وأشارت إلى أن أورتاغوس منفتحة على الدبلوماسية المكوكية كآلية تفاوضية، وهو نهج سبق أن اعتمده الوسيط الأميركي آموس هوكستين، وأفضى إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.
كما لم تستبعد المصادر أن تُطرح الملفات العالقة مع إسرائيل ضمن سلّة واحدة، بما يُسهّل الوصول إلى تفاهم شامل بإشراف دولي مباشر، مع التأكيد أن أي تقدّم في هذه الملفات يبقى مشروطاً بتقدّم ملموس في مسار حصر السلاح بيد الدولة.
هل يسير “حزب الله” نحو التسليم؟
يبقى السؤال الأساس: هل يلتزم “حزب الله” فعلياً بمسار الحوار لحصر سلاحه ضمن الدولة؟ أم أنه يستخدم هذه المبادرة كغطاء لكسب الوقت في انتظار نتائج المفاوضات بين طهران وواشنطن؟ خاصة أن جهات أوروبية كانت قد وجّهت نصائح مباشرة للحزب بضرورة “لبننة” خياراته السياسية، والانفتاح على القوى السياسية الداخلية لإعادة ترميم علاقاته المتصدعة، بعد سنوات من فرض معادلة القرار الأحادي في السلم والحرب.
المصدر : محمد شقير- الشرق الأوسط
