الفرصة الرابعة… هل يصمد لبنان هذه المرة؟

في الذكرى الخمسين لاندلاع الحرب اللبنانية، يعود الحديث عن دولة لا تزال تبحث عن استقرارها المفقود منذ عام 1975. ورغم أن اتفاق الطائف شكّل محطة مفصلية، ورحيل الجيش السوري بعد انتفاضة الاستقلال عام 2005 أعاد الأمل بولادة جديدة للبنان، فإن محاولات بناء الدولة كانت تُجهض في كل مرة، لأسباب تتعلّق بصراعات المحاور والسلاح غير الشرعي.

منذ انتهاء الحرب عام 1990، لم يُكتب للسلام أن يُترجم فعليًا، فكل فرصة إنقاذية سقطت بفعل انقلاب داخلي أو وصاية خارجية. البداية كانت مع بشير الجميّل الذي اغتيل قبل أن يبدأ ولايته، تلتها محاولة الطائف التي تحولت إلى غطاء للوصاية السورية، ثم انتفاضة الاستقلال التي ووجهت بسلاح “حزب الله” الذي أبقى على منطق الدولة داخل الدولة.

الانقسام اللبناني: بين الدولة والمنصة

الخلاف الحقيقي لم يكن يومًا صراعًا على الصلاحيات، رغم أحقية المساواة، بل على هوية لبنان ودوره. بين من أراده دولة طبيعية محايدة عن الصراعات الإقليمية، ومن سعى لتحويله إلى منصة لخدمة مشاريع خارجية، سواء تحت العناوين الفلسطينية أو السورية أو الإيرانية.

هذا النهج فرض على اللبنانيين حياة تحت وقع الانقسامات والسلاح، وسط تغييب دائم لمؤسسات الدولة، ومحاولات متكررة لفرض هيمنة طرف على باقي المكونات.

نحو عقد وطني جديد؟

في ظل التغيّرات الإقليمية والدولية، وفي أعقاب التطورات المرتبطة بالصراع الإيراني – الغربي، يبدو أن مشروع “حزب الله” المسلّح بات في مأزق. فقد خسر الحزب عمقه الاستراتيجي في سوريا، واضطر للابتعاد عن الحدود الجنوبية مع إسرائيل بموجب ترتيبات دولية تعيد إحياء اتفاق الهدنة، وسط ضغط داخلي متزايد رافض لإبقاء الدولة مغيّبة.

من هنا، تبرز فرصة رابعة حقيقية أمام اللبنانيين، قد تختلف عن سابقاتها. فالتوازنات الإقليمية تغيّرت، والدعم الدولي لسيادة لبنان يبدو أكثر جدية، ما يُصعّب تكرار سيناريوهات الانقلاب السابقة.

شروط الخروج من الأزمة

لتكون هذه الفرصة مختلفة، لا بدّ من ثوابت وطنية جامعة:

  1. رفض توريط لبنان بالمحاور الخارجية، والتأكيد على نهائيّة كيانه وحدوده.
  2. الاعتراف بالتعددية كغنى حقيقي ينعكس في بنية السلطة، لا على أساس العدد.
  3. وقف منطق الغلبة بالسلاح أو الطائفة، والابتعاد عن فكرة إخضاع مكوّن لآخر.
  4. الاحتكام للدولة فقط، باعتبارها المرجعية الوحيدة الضامنة للتنوع والاستقرار.
  5. رفض الصراعات الداخلية كأسلوب إدارة خلافات، وتنظيم هذه الخلافات ضمن المؤسسات.
  6. العمل لأجل مستقبل مشترك يضع تحسين حياة اللبنانيين فوق أي مشروع أيديولوجي أو إقليمي.

الفرصة الأخيرة؟

اليوم، لم يعد الخوف على لبنان محصورًا بمكوّن دون آخر، بل بات قلقًا عامًا يشمل المسيحيين والمسلمين على حدّ سواء. والقلق مشروع في ظل الغياب المزمن للدولة وتحول البلد إلى ساحة مستباحة.

لكن ومع دخول المحور الإيراني مرحلة التراجع، ومع التفاهمات الإقليمية الجارية، ومع الإرادة اللبنانية شبه الجامعة باستعادة الدولة، تبقى الكرة في ملعب اللبنانيين: إما اقتناص الفرصة، أو تكرار المأساة التي بدأ فصولها في 13 نيسان 1975.

المصدر : شارل جبّور – نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top