الولايات المتحدة للبنان: الإصلاح أو العزلة

لم تعد الولايات المتحدة تنتظر تسوية شاملة أو مساراً تفاوضياً كاملاً مع إسرائيل لتفعيل دورها في لبنان. فقد أعادت واشنطن ترتيب أولوياتها، واضعة نزع سلاح «حزب الله» والإصلاحات المالية في مقدّمة الشروط لأي انخراط سياسي أو اقتصادي جدي مع الدولة اللبنانية.

هذا التحول في المقاربة الأميركية لم يعد محصوراً في الرسائل الدبلوماسية أو اللقاءات المغلقة، بل تجلّى علناً من خلال تصريحات نائبة المبعوث الرئاسي الأميركي إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، التي كشفت عن موافقة رئيس الجمهورية على التفاوض المدني مع إسرائيل، ما شكّل مؤشراً واضحاً إلى غياب موقف لبناني موحّد من هذا المسار.

الإعلان لم يكن تفصيلاً عابراً، بل أظهر تبايناً بين أركان الحكم: رئيس الجمهورية مؤيد للتفاوض، رئيس مجلس النواب نبيه بري معارض كلياً، أما رئيس الحكومة نواف سلام فيتخذ موقفاً حذراً، مقترحاً العودة إلى “الدبلوماسية المكوكية” المستوحاة من تجربة هنري كيسنجر، والتي اعتمدها لاحقاً الموفد الرئاسي السابق آموس هوكستين في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية.

هذا التباين يكشف هشاشة القرار اللبناني أمام الضغوط الخارجية، ولا سيما الأميركية منها. فبعيداً عن العناوين العريضة، تؤكد مصادر دبلوماسية أن واشنطن وضعت لبنان أمام مهلة زمنية قصيرة لاتخاذ خطوات عملية نحو تفكيك سلاح الحزب وتسليمه للدولة، وإلا فإن الشراكة القائمة مع الولايات المتحدة ستُعلّق، ما يعني وقف كل أشكال الدعم والمساعدة، وترك لبنان يواجه مصيره منفرداً.

في هذا السياق، جاءت رسائل واشنطن بنبرة تحذيرية صريحة: لا مجال للمماطلة أو لرهانات على تفاهمات أميركية – إيرانية. كذلك، لم تخلُ الرسائل من إنذارات أمنية، خصوصاً بعد تحذيرها من أي عملية إطلاق صواريخ من لبنان قد تُستغل لتبرير ردّ إسرائيلي واسع، كما حصل قبل توقيع وقف إطلاق النار في 27 كانون الثاني 2024. وأكدت أن زمن “الصواريخ الطائشة” قد انتهى، وأن أي انفلات ميداني سيُقابل بتصعيد إسرائيلي قد يطال عمق بيروت.

بالتوازي مع هذا المسار الأمني، تحتل الإصلاحات المالية والاقتصادية موقعاً متقدماً على أجندة واشنطن، التي ترى أن لبنان أخفق حتى الآن في تنفيذ تعهداته خلال الشهرين الأخيرين، مما يقوّض ثقة المجتمع الدولي به. وقد شددت أورتاغوس خلال لقائها المسؤولين على ضرورة اتخاذ خطوات إصلاحية عاجلة، كشرط أساسي لأي دعم مالي أو خطط لإعادة الإعمار.

هذا التوجه لم يأت من فراغ، بل سبقته رسالة قوية من عضوي مجلس الشيوخ جيم ريش وجين شاهين، حمّلت الحكومة اللبنانية مسؤولية تمكين «حزب الله»، وهدّدت بعزلة دولية كاملة وانهيار اقتصادي شامل إذا لم تُتخذ إجراءات ملموسة لكبح نفوذه.

وبحسب مصادر متابعة، فإن الرسالة تشكل جزءاً من تصعيد الضغط الأميركي في ما يخص ملفات الأمن والسيادة والاقتصاد، وتدعو الحكومة اللبنانية إلى الالتزام الفعلي بتعهداتها، خصوصاً في ما يتعلّق بتحجيم دور الحزب. إذ ترى واشنطن أن أي استمرار في دعم الحزب، أو غضّ النظر عن نشاطاته، سيزيد من عزلة لبنان الدولية، ويعقّد فرص حصوله على أي مساعدات مستقبلية.

في ضوء هذا المشهد، يظهر بوضوح أن الولايات المتحدة اتخذت قرارها: لا مساومات رمادية، ولا انتظار، بل خطوات حاسمة مطلوبة فوراً. المطلوب واضح: تفكيك المنظومة المسلحة الموازية للدولة، فرض السيادة على الحدود، وإطلاق إصلاحات اقتصادية عاجلة. بخلاف ذلك، فإن لبنان مهدّد بخسارة حلفائه الدوليين والدخول في مرحلة جديدة من الانهيار.

وعليه، باتت الكرة في ملعب السلطة اللبنانية، التي تجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تنفيذ الالتزامات أمام المجتمع الدولي، أو التوجّه نحو عزلة سياسية واقتصادية تامة، بتداعيات كارثية على كيان الدولة ومستقبل اللبنانيين.

من وجهة نظر واشنطن، هذه الالتزامات يجب أن تُنفذ دون تأخير، خصوصاً فيما يتعلق بتقليص نفوذ «حزب الله»، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على استقرار لبنان والمنطقة، وعلى مصالح إسرائيل. أي تساهل في هذا الملف، وفق المقاربة الأميركية، سيعرقل جهود واشنطن الإقليمية، ويُفسح المجال أمام تدخلات خارجية أوسع

المصدر:أنطوان الأسمر – اللواء

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top