الشراكة بين القطاعين: هل حان وقت التطبيق الفعلي؟

رغم مرور أكثر من سبع سنوات على إقرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) في لبنان تحت الرقم 48 بتاريخ أيلول 2017، لا يزال القانون خارج حيّز التطبيق الفعلي، ما يثير تساؤلات حول مدى جدية الدولة في المضي قدماً في تنفيذ إصلاحات حيوية طال انتظارها.

ففي ظلّ التحديات الاقتصادية والمالية المتفاقمة، وتداعيات الحرب الأخيرة التي عمّقت هشاشة البنية التحتية، تعود الحاجة الملحّة لتفعيل نموذج الشراكة بين القطاعين، خصوصاً في قطاعات أساسية كالكهرباء، النقل، الاتصالات، والمياه، كمدخل ضروري لمرحلة التعافي.

ما هو مفهوم الشراكة؟

نموذج PPP يُعرّف على أنه شراكة طويلة الأمد بين جهة حكومية وقطاع خاص، يتمّ من خلالها تنفيذ مشاريع بنى تحتية أو تقديم خدمات عامة، حيث يتقاسم الطرفان المخاطر والأدوار. يحتفظ القطاع العام بالدور الرقابي، فيما يتولى القطاع الخاص التمويل والتنفيذ والتشغيل، مقابل عائد مالي متفق عليه.

ورغم وجود نماذج سابقة لهذا النوع من الشراكات في لبنان، كما في قطاع الاتصالات، إلا أنها لم تُدار وفق المعايير الدولية ولم تُرافق بإصلاحات مؤسساتية، ما أدى إلى إعادة تلك المشاريع إلى كنف الدولة بسبب غياب الشفافية والحوكمة.

سيدر… والدعوة المتأخرة للتطبيق

مؤتمر “سيدر” الدولي الذي انعقد عام 2018 خصص 11 مليار دولار للبنان بهدف تحفيز الاستثمارات والإصلاحات، من بينها تفعيل الشراكة مع القطاع الخاص. غير أن غياب القرار السياسي حال دون تحقيق أي تقدم. اليوم، ومع الضغط المتزايد داخلياً ودولياً لإنجاز إصلاحات بنيوية، تعود الشراكة لتُطرح كحل واقعي يمكن البناء عليه.

نماذج عالمية ناجحة

التجارب الدولية تثبت أن الشراكة بين القطاعين قادرة على إحداث تحول اقتصادي فعّال. بريطانيا، جنوب إفريقيا، كوريا الجنوبية والبرازيل وغيرها اعتمدت هذا النموذج لتحديث قطاعاتها الحيوية. وبدوره، ساهم البنك الدولي في تطوير أطر قانونية وإرشادات لتنفيذ هذه المشاريع بطريقة شفافة وفعّالة.

فوائد الشراكة ومرتكزاتها

الشراكة تسهم في رفع جودة الخدمات، تخفيف العبء المالي عن الدولة، وجذب الاستثمارات الخارجية، خصوصاً إذا ما توفّرت الحوكمة السليمة. وهي تشكّل ركيزة أساسية لتحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل.

التحديات اللبنانية… والرؤية المستقبلية

في حديثه لـ”نداء الوطن”، يشير عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة اليسوعية فؤاد زمكحل إلى أن “الدولة اللبنانية لا تملك اليوم إمكانيات للنهوض أو الاستثمار”، مشيراً إلى خسائر مالية تتجاوز 70 مليار دولار، يضاف إليها ما لا يقل عن 15 مليار دولار كأضرار مباشرة وغير مباشرة نتيجة الحرب الأخيرة، بحسب تقديرات البنك الدولي.

ويوضح زمكحل أن “الخصخصة المباشرة قد تُثير مخاوف المستثمرين في ظل غياب الثقة والشفافية”، مشدداً على أن الحل الأمثل هو نموذج الشراكة، وتحديداً صيغة BOT (بناء، تشغيل، ثم نقل الملكية للدولة)، معتبراً أنها الأنسب لمؤسسات حيوية كالكهرباء.

لكنه يحذر من أن أي شراكة يجب أن تُبنى على قاعدة إعادة الهيكلة الشاملة للمؤسسات، وتأسيس مجلس إدارة مشترك بين القطاعين العام والخاص، مشدداً على ضرورة إزالة العوائق السياسية والطائفية التي كبّلت مؤسسات الدولة لعقود.

لا نجاح من دون إصلاح

ويخلص زمكحل إلى أن أي محاولة لتطبيق نموذج PPP دون إصلاحات قانونية وإدارية وهيكلية ستكون مهددة بالفشل، مشيراً إلى تجارب سابقة لم تُحقق النجاح المطلوب بسبب غياب الحوكمة والوضوح في دفاتر الشروط، كما في ملف “ليبان بوست” وقطاع الاتصالات.

اليوم، ومع بدء لبنان في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، واستمرار الرهان على دعم خارجي، تبدو الشراكة بين القطاعين العام والخاص خياراً حتمياً لا مفرّ منه. لكن نجاحه مرهون بتوافر الإرادة السياسية، إصلاح البيئة القانونية، وضمان الشفافية لجذب الاستثمار الخارجي واستعادة ثقة المجتمع الدولي.

المصدر : باتريسيا جلاد ، نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top