
لطالما شكّلت ازدواجية السلاح في لبنان، منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، سبباً رئيساً في تقويض استقرار الدولة وتعطيل بناء مؤسساتها. ومع أن اتفاق الطائف وضع خريطة طريق واضحة لإنهاء هذه الازدواجية، إلا أن تقاطع النفوذين السوري والإيراني حال دون تطبيقه الكامل، ما أبقى لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
واقع ما بعد الطائف، الذي أفرز مقاومة وسلاحاً خارج إطار الدولة، لم يكن منسجماً مع “وثيقة الوفاق الوطني”، بل شكّل انقلاباً عليها، بحسب ما يؤكد أكثر من طرف سياسي، إذ لا يمكن اعتبار ما جرى خياراً لبنانياً خالصاً، بل نتاج ظرف إقليمي واحتلالات متعددة.
وإذ يشدّد الداعمون لمبدأ “الدولة أولاً” على أن الحل لا يكون بالحوار حول قضايا غير مشروعة، يؤكدون أن الطريق الوحيد لإنهاء السلاح غير الشرعي هو الالتزام بالدستور وتطبيق مندرجاته السيادية. وفي هذا السياق، يندرج المسعى الذي أطلقه رئيس الجمهورية بالتواصل مع “حزب الله” لتحديد جدول زمني واضح لتفكيك بنيته العسكرية.
الموقف واضح: لا شرعية لحوار يمنح السلاح غير الشرعي غطاءً سياسياً. فمجرد الجلوس على طاولة تفاوض حول ما يخالف الدستور والانتظام العام، يعدّ بحد ذاته انتقاصاً من الدولة، وتكريساً للواقع الشاذ.
المفارقة أن الجيش اللبناني، وفق ما نقله زوّار لمسؤولين أميركيين، بدأ فعلاً استلام بعض المواقع التابعة لـ”حزب الله”. إلا أن الإعلان عن ذلك لم يتم بشكل رسمي، مراعاةً لما وصف بـ”معنويات الحزب”. غير أن هذه السياسة، وفق مراقبين، تغذّي الإرباك أكثر مما تعزّز الثقة، لا سيما أن “الحزب” بنى صورته على مفهوم “المقاومة”، ويخشى أن يفقد مكانته ووظيفته بانتهاء دوره المسلّح.
من هذا المنطلق، ترى جهات سياسية أن “كل ما بني منذ عام 1991 تحت مظلة المقاومة لا يستند إلى شرعية دستورية”، غير أنها في المقابل لا تطالب اليوم بمحاسبة الحزب على ما مضى، بل تكتفي بالمطالبة بإنهاء مشروعه العسكري، إفساحاً في المجال أمام مشروع الدولة للانطلاق.
وتعتبر هذه الجهات أن التعاطي بهذا القدر من “الرحابة” يجب أن يُقابل من “الحزب” بامتنان، لا بتحريض ضد الدولة، لا سيما أن امتناع اللبنانيين عن فتح ملفات المحاسبة لا يُفسَّر ضعفاً، بل هو تعبير عن إرادة وطنية بتجاوز حقبة الانقسام والخراب.
وتطرح هذه القوى مقاربة مختلفة للنقاش العام حول سلاح “حزب الله”: فبدلاً من سؤال “هل نحتاج إلى هذا السلاح؟”، يُفترض أن يكون السؤال “هل نمنح عفواً عن مرحلة خرق السيادة، أم نحاسب؟”، معتبرةً أن المحاسبة قد تساهم في تسريع الاندماج الكامل للحزب في مؤسسات الدولة.
وفي ظل المعطيات الإقليمية المتغيرة، من تراجع محور الممانعة إلى جلوس إيران على طاولة التفاوض مع واشنطن، يبدو أن “حزب الله” بات أمام استحقاق داخلي غير قابل للتأجيل. لذلك، بالتوازي مع التواصل الجاري معه، يُطرح أن تكون الرئاسة الأولى منبراً لحوار داخلي أوسع يركّز على تبديد الهواجس، لا على شرعنة السلاح.
وختاماً، الرسالة التي يراد إيصالها واضحة: لا تفاوض على السيادة، ولا تسويات على حساب الدولة. أمّا الحوار، فمكانه محفوظ لتقريب وجهات النظر بين اللبنانيين تحت سقف الشراكة الوطنية الكاملة، والدستور هو المرجع الوحيد.
المصدر : شارل جبور ، نداء الوطن
