
تمرّ العلاقة بين حركة “حماس” والسلطات اللبنانية بمرحلة دقيقة وغير مسبوقة منذ انتهاء الحرب الأهلية. فقد شكّل البيان الصادر عن المجلس الأعلى للدفاع، يوم الجمعة، والذي سمّى “حماس” بشكل مباشر، محذّراً إياها من استخدام الأراضي اللبنانية في أنشطة تمسّ بالأمن القومي، تحوّلاً بارزاً في طريقة تعاطي الدولة مع ملف السلاح الفلسطيني. ويُعتقد أن هذا التحذير مرتبط بإطلاق صواريخ نُسبت إلى “حماس” في مارس الماضي باتجاه إسرائيل، وهو ما يُنتظر أن يكون أحد أبرز محاور زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس المرتقبة إلى بيروت في 21 من الشهر الجاري.
وقد امتنعت قيادات “حماس” في لبنان عن التعليق على بيان المجلس، مشيرة لـ”الشرق الأوسط” إلى أن الحركة ستُصدر بياناً رسمياً لاحقاً.
وكان الجيش اللبناني قد أعلن الشهر الماضي عن تحديد المجموعة المسؤولة عن إطلاق صواريخ يومي 22 و28 مارس 2025، والتي تضم عناصر لبنانية وفلسطينية، مؤكداً تنفيذ مداهمات أسفرت عن توقيف عدد من المتورطين وضبط المعدات المستخدمة. ووفق مصدر أمني، فإن مخابرات الجيش أوقفت ثلاثة عناصر تابعين لـ”حماس”، اثنان منهم فلسطينيان والثالث لبناني.
ونقلت “الشرق الأوسط” عن مصدر لبناني رفيع أن الدولة ستطلب من “حماس” تسليم باقي المطلوبين المتورطين في إطلاق الصواريخ.
القرار بيد قيادة الخارج
ويؤكد الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير أن بيان المجلس الأعلى للدفاع يعكس موقف الدولة الواضح في رفض تحويل لبنان إلى ساحة صراع، ويأتي في سياق حماية المصالح اللبنانية بعد التطورات الأخيرة. ولفت في حديث لـ”الشرق الأوسط” إلى أن “حماس” حريصة على أمن لبنان، وأن قرارها حالياً يُتخذ من مقر القيادة في قطر.
خيارات الحركة تتقلص
ويرى متابعون أن “حماس” باتت في وضع ضيّق داخل لبنان، وأنها أصبحت مضطرة للتجاوب مع مطالب الدولة اللبنانية، بما في ذلك احتمال تسليم سلاحها، بسبب الضغط المتزايد عليها.
ويعتبر هشام دبسي، مدير مركز تطوير للدراسات، أن قرارات المجلس الأعلى للدفاع خطوة متقدمة في ملف السلاح الفلسطيني داخل لبنان، وأنها تحمل بعداً سياسياً واضحاً ضد أي نشاط مسلح خارج الأطر القانونية. وأكد أن على “حماس” التجاوب مع طلب الدولة بتسليم المطلوبين في مخيم عين الحلوة، وإلا فإن المعالجة ستنتقل إلى مسار أمني وقضائي أكثر تشدداً.
وأضاف دبسي أن “حماس” أمام اختبار حقيقي في مدى احترامها للسيادة اللبنانية، مشيراً إلى أن الحركة لا تملك هامشاً واسعاً للمناورة، لا سيما في ظل وضعها الداخلي الهش والانقسامات بين جناحين؛ أحدهما متشدد ينسق مع إيران، وآخر يسعى إلى الانخراط مجدداً في العمل السياسي ضمن إطار “الإخوان المسلمين”.
زيارة عباس ومساعي ترتيب العلاقات
وحول زيارة الرئيس عباس لبيروت، يرى دبسي أن الهدف الأساسي منها هو إعادة تنظيم العلاقة الرسمية بين الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية، في ظل المرحلة الجديدة التي تسعى خلالها الدولة إلى بسط سيادتها على كامل أراضيها، بما في ذلك المخيمات الفلسطينية، وإنهاء مظاهر السلاح فيها، بعد إنهاء الوجود العسكري الفلسطيني الموالي للنظام السوري في مناطق مثل البقاع والناعمة.
تغيّر دور “حماس” في لبنان
طوال السنوات الماضية، اقتصر حضور “حماس” في لبنان على النشاط السياسي والإعلامي والثقافي. غير أن بروزها على الساحة الأمنية والعسكرية بدأ بعد انفجار وقع في كانون الأول 2022 بمخيم البرج الشمالي، حيث تردد أن الانفجار نتج عن حريق طال مخزن ذخيرة للحركة، رغم نفيها الرسمي.
ولم تُسجل للحركة أي نشاطات عسكرية خارج الأطر الأمنية المشتركة في مخيم عين الحلوة، حتى اندلاع عملية “طوفان الأقصى” التي حوّلت جبهة الجنوب إلى ساحة دعم لغزة، بإشراف من “حزب الله”، وشهدت حينها مشاركة من “كتائب القسام” ومجموعات فلسطينية أخرى في عمليات إطلاق صواريخ.
ومنذ أكتوبر 2023، تعرضت “حماس” لسلسلة اغتيالات في لبنان، طالت قيادات بارزة، من أبرزهم نائب رئيس الحركة صالح العاروري، الذي اغتيل في يناير 2024 في الضاحية الجنوبية لبيروت
المصدر :بولا أسطيح
الشرق الأوسط
