
مرّ شهران على نيل حكومة الرئيس نواف سلام الثقة في 25 شباط 2025، ما مهّد لعودة انتظام عمل المؤسسات الدستورية بعد فراغ استمر لأكثر من عامين، وأعاد للبنانيين بارقة أمل بمرحلة جديدة تنقذ الاقتصاد، تعزز شرعية الدولة، وتكرّس حصرية السلاح بيدها. كما أحيا هذا التطور فرص استعادة العلاقات مع الدول العربية، ولا سيما السعودية، وإطلاق مسار الإصلاحات لاسترجاع ثقة المجتمع الدولي.
يعوّل اللبنانيون كثيراً على هذا العهد الجديد بعد سنوات طويلة من الخيبات وتدهور الخدمات وفقدان أبسط مقومات الحياة. ويحتل الهمّ الأمني الصدارة، في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، والتصعيد المتكرر الذي طال الضاحية الجنوبية مجدداً، وسط ضغوط دولية لتوسيع نطاق سيطرة الدولة على كامل أراضيها.
وفي هذا السياق، أكد كلّ من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام أن قرار حصر السلاح بيد الدولة قد اتُخذ. كما أفادت مصادر حكومية لموقع mtv بأن الجيش اللبناني يواصل خطواته لبسط سلطة الدولة، بدءاً من الجنوب، وقد فكّك أكثر من 500 موقع تابع لحزب الله.
وفي موازاة ذلك، لفتت المصادر إلى الإجراءات الصارمة التي اتُخذت في مطار بيروت خلال الشهرين الماضيين، والتي شملت تعديلات إدارية بعد سنوات من الجمود، وتحسينات تقنية لتسهيل حركة المسافرين وضمان أمنهم، عبر تركيب أجهزة تفتيش حديثة وتشديد معايير السلامة. كما أُقرّت إجراءات أمنية لمنع التهريب وضمان سلامة الطيران المدني، وترافق ذلك مع زيارة الرئيس سلام إلى مطار القليعات، تمهيداً لإعادة تشغيله بعد دراسة مفصلة.
أمن طريق المطار أُعيد ترسيخه أيضاً، من خلال منع قطعه، توقيف المعتدين على قوات الطوارئ الدولية، وإزالة الصور والشعارات الحزبية. وعلى الحدود الشرقية، أسفرت زيارة سلام إلى دمشق عن اتفاق لتشكيل لجان مشتركة مع سوريا لبدء ترسيم الحدود، ضبط الأمن، وقف الاشتباكات، ومكافحة التهريب.
لا تقلّ أهمية الإصلاحات ومكافحة الفساد عن الجانب الأمني، لا سيما تلك المرتبطة بشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. فقبل اجتماعات الربيع في واشنطن، أقرّت الحكومة قانون رفع السرية المصرفية ليشمل السنوات العشر الماضية، إلى جانب خطة لإصلاح القطاع المصرفي، حماية أموال المودعين، والحفاظ على أصول الدولة.
لكن بعد سنوات من انعدام الثقة، يُطرح السؤال: لماذا على اللبناني أن يصدّق أن التغيير بدأ فعلاً؟
المصادر الحكومية تدعو اللبنانيين إلى الحكم من خلال الأفعال، وتُبرز سلسلة قرارات اتخذها مجلس الوزراء مؤخراً، أبرزها:
• استرداد مراسيم الأملاك البحرية بسبب المخالفات، حمايةً للمال العام.
• وضع خطة لمعالجة أوضاع الموقوفين وتفعيل المحاكمات داخل سجن رومية.
• إقرار آلية للتعيينات الإدارية بعيداً عن المحاصصة والمحسوبيات.
• تحديد آليات لتعيين الهيئات الناظمة في قطاعات الاتصالات والكهرباء والطيران.
• اعتماد آلية لتعيين مجلس إدارة مجلس الإنماء والإعمار.
• إقرار مشروع قانون استقلالية القضاء.
• إطلاق خطة أمنية لطرابلس، استعداداً لاستقطاب الاستثمارات في مشاريع المدينة المتوقفة، من معرض رشيد كرامي الدولي إلى المرفأ والمصفاة والمنطقة الاقتصادية الخاصة.
التغيير لن يتحقق بين ليلة وضحاها، لكنّ جرعة من الإيجابية باتت ضرورية، بعد ما عاشه لبنان منذ عام 2019 من انهيار اقتصادي، وانهيار القدرة الشرائية، وتقنين في الخدمات الأساسية، وارتفاع في تكاليف التعليم والاستشفاء.
ستبقى الحكومة تحت الرقابة، تُحاسَب على نجاحها كما على إخفاقها. ورغم أنها لم تكن مسؤولة عن إخفاقات الماضي، إلا أن التحدي الأكبر أمامها يبقى في إثبات أن الفشل ليس قدراً محتوماً
