حكومة سلام .. بطء في المسار، واندفاع في القرار

في السياسة، كما في الحكم، الاستمرارية هي القاعدة، لكن ما حملته المئة يوم الأولى من عمر الحكومة الجديدة في لبنان يُوصف بالتحول الجذري. حكومة وُلدت من رحم مختلف، خارج النفوذ الإيراني، في أعقاب التحوّلات الإقليمية التي أعقبت هجوم 7 تشرين الأول، فتشكلت بدفع عربي ودولي، وبإرادة داخلية طال انتظارها للخروج من عباءة “الممانعة”.

الجمهورية التي بلغت قرنًا من الزمن، وجدت نفسها أمام مفصل تاريخي لاستعادة سيادتها الكاملة وإطلاق مسار إصلاحي طال تعليقه. جاءت حكومة الرئيس نواف سلام حاملةً هذا العنوان، تسير بخطى متفاوتة: قوية في ملفات سيادية، ومترددة في ملفات أخرى شائكة.

الشق السيادي: سقوط ثلاثية السلاح

في سابقة لافتة، شطبت الحكومة الجديدة من بيانها الوزاري معادلة “الجيش، الشعب، المقاومة”، وأكدت التزامها الحصري بسلطة الدولة على السلاح. كما نجحت في فرض هيبتها على فصائل مسلحة لطالما كانت تعتبر “خارج المحاسبة”، وأجبرت “حماس” على تسليم مطلقي الصواريخ من الجنوب، في خطوة كان يصعب تخيلها في السابق.

لكن هذا الحزم لا يزال منقوصًا في التعامل مع بنية “حزب الله”، لا سيما في شمال الليطاني، في حين شهد الجنوب تحسّنًا واضحًا، مع إعلان الرئيس جوزاف عون عن تفكيك أكثر من 500 موقع للحزب هناك.

رغم هذه الخطوات، تبقى التحديات السيادية قائمة، خصوصًا في ما يتعلق بسلامة قوات اليونيفيل وتكرار الاعتداءات عليها، والتي لم تُقابل بردع فعلي من قبل الدولة.

الإصلاح الإداري: قرارات جريئة ومكاسب فعلية

على المستوى الإداري، حققت الحكومة إنجازات ملموسة، أبرزها:

  • تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان ورئيس لمجلس الإنماء والإعمار.
  • إصلاحات واسعة في مطار بيروت شملت تعزيز الإجراءات الأمنية والتقنية وإزالة الرموز الحزبية من محيطه.
  • زيارة إلى مطار القليعات في إطار خطة لإعادة تشغيله.
  • إطلاق خطة أمنية في طرابلس انعكست انخفاضًا في معدلات الجريمة.
  • إقرار قانون رفع السرية المصرفية بأثر رجعي.
  • خطة لإصلاح القطاع المصرفي وحماية أموال المودعين.
  • استرداد مراسيم الأملاك البحرية في خطوة لحماية المال العام.
  • تفعيل المحاكمات داخل سجن رومية لمعالجة الاكتظاظ.
  • اعتماد آلية شفافة للتعيينات الإدارية، وطرح مشروع قانون استقلالية القضاء.
  • زيارات رسمية إلى السعودية وسوريا لإعادة تصويب العلاقات الإقليمية، وبدء خطوات عملية في ملف ترسيم الحدود وضبط الأمن ومنع التهريب.

الختام: بين الطموح والاختبار

رغم البدايات الإيجابية، تبقى حكومة نواف سلام أمام امتحانات مفتوحة في ملفات كبرى، أبرزها حسم السلاح غير الشرعي، وترسيخ مفهوم الدولة، وتوفير بيئة قانونية واقتصادية قادرة على استقطاب الدعم وإعادة الإعمار. المئة يوم الأولى قد تكون واعدة، لكن الحكم الحقيقي سيكون في قدرتها على الاستمرار بالزخم نفسه، في وجه تحديات الداخل وتقلبات الإقليم.

المصدر : طوني عطيه – نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top