الفرصة الأخيرة أم شرارة الحرب الكبرى؟ .. قراءة مع الخبير العسكري و الإستراتيجي العميد ناجي ملاعب في الحرب الإيرانية – الإسرائيلية

بقلم ندى جوني

منذ سنوات طويلة، والتوتر بين إيران وإسرائيل يتخذ أشكالاً متعددة من الحروب بالوكالة والعمليات الإستخباراتية إلى التصعيد السياسي والدبلوماسي. فقد عملت إيران على توسيع نفوذها في المنطقة، عبر أذرعتها في عدة بلدان عربية، فدعمت قوى وتنظيمات مسلّحة مثل “الحشد الشعبي” في العراق، و”حزب الله” في لبنان، و”أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن، و ” حماس ” في غزة، وجعلت منها أدواتًا لتنفيذ أجندتها الإقليمية ومواجهة إسرائيل بشكل غير مباشر.

لكن المشهد اليوم يبدو مختلفاً. فبعد تعثّر المفاوضات النووية بين طهران والغرب، و قيام إيران بعملية استخباراتية نوعية استحوذت خلالها على وثائق سرية تتعلق بالبرنامج النووي الإسرائيلي، دخل الصراع مرحلة جديدة، أكثر علنية وخطورة.
وبات واضحاً أن المواجهة انتقلت من الحروب بالوكالة إلى مواجهة مباشرة، خصوصاً بعد انحسار نفوذ بعض الفصائل المدعومة من طهران وتراجع قدرتها على التأثير الميداني كما في السابق.

فهل ما نشهده اليوم هو بداية لحرب إقليمية واسعة؟ أم أن المنطقة تتجه نحو تغيّر جذري في موازين القوى والسياسات؟ وهل تتجرأ إيران على كسر قواعد الإشتباك التقليدية التي لطالما حكمت علاقتها بإسرائيل؟

في محاولة للإجابة على هذه التساؤلات، أجرى موقع “ديموقراطيا نيوز” مقابلة خاصة مع الخبير العسكري و الإستراتيجي اللبناني العميد ناجي ملاعب الذي أشار إلى أن توقيت الهجمات الأخيرة ليس صدفة، بل أتى نتيجة جملة من الإعتبارات الدقيقة، إذ يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن ما يجري حالياً هو فرصة تاريخية لن تتكرر لتحقيق أهداف توسعية، مستفيداً من الواقع المتغيّر في المنطقة.

ويوضح ملاعب أن نتنياهو يعتقد أن الوضع الميداني في سوريا، واحتلال النقاط الخمس في جنوب لبنان، والتدمير المنهجي المتواصل في قطاع غزة، كلّها إنجازات تصبّ في مصلحة إسرائيل، لا سيما مع انكفاء بعض قوى “محور المقاومة” التي تدعمها إيران، والتي باتت في نظره خارج المعادلة، بعدما جُرّدت من فعاليتها وسلاحها.

كما وأكد أن نتنياهو، وبعد تحقيق تلك النتائج، لم يتبقّ له سوى استهداف طهران بشكل مباشر، مشيراً إلى أن إسرائيل لن تقبل بوجود دولة معادية تمتلك قدرات نووية، حتى ولو كانت مُعلنة الأهداف السلمية. وهنا، شدّد في حديثه، بأن الموقف الإسرائيلي يختلف عن الرؤية الأميركية التي تميل إلى التعاطي مع إيران بمنطق الإدماج وليس المواجهة.

و يضيف ملاعب أن نتنياهو قد يتحدث عن تغيير خريطة الشرق الأوسط، لكنه لا يستطيع تنفيذ ذلك منفرداً، بل يرتكز في كل تحركاته إلى دعم أميركي واسع في مختلف الميادين: السياسية والعسكرية والتكنولوجية والإستخباراتية. من هنا، شدد على أن القرار الحاسم في المنطقة، على الرغم من الضغوط، لا يزال بيد الولايات المتحدة الأميركية.

و يتابع ملاعب موضحاً أن واشنطن تجد نفسها اليوم في موقع دقيق وحرج. فبينما يرى نتنياهو أن الوقت مناسب لتوجيه ضربة قاصمة لإيران، تفضّل الإدارة الأميركية الحالية إعادة طهران إلى الحضن الغربي، معتبرة أن إدماج إيران في المنظومة الغربية قد يحلّ جزءاً كبيراً من التوترات في الشرق الأوسط، ويخلق نوعاً من التوازن الإقليمي الذي يصب في مصلحة الطرفين، الإيراني والإسرائيلي على حد سواء.

كما و يضيف، بأن هذا التوجّه الأميركي ينسجم مع سياسة إدارة بايدن القائمة على “أميركا أولاً”، والتي تركز على تعزيز الإقتصاد، تحرير التجارة العالمية، وضمان الهيمنة الإستراتيجية عبر أدوات القوة الناعمة والمصالح الإقتصادية.

و يشير إلى أن واشنطن تدرك أهمية إيران الإقتصادية، فهي ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم، وتشكل محطة محورية في مشروع “طريق الحرير” الصيني، بالإضافة إلى توقيعها اتفاقيات بقيمة 400 مليار دولار مع بكين. كما أن إيران تمثل عقدة أساسية في مشروع “سكة الحديد شمال-جنوب” الذي تسعى موسكو لإنشائه من الأراضي الروسية مروراً بإيران وصولاً إلى المحيط، وهو ما تعمل الولايات المتحدة الأميركية على إحباطه، سواء عبر تركيا، بوصفها عضواً في الناتو، أو عبر ألمانيا بوصفها بوابة نحو الأطلسي.

و يختتم ملاعب حديثه: “من سيربح هذا الصراع؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، فنحن أمام مشهد متحوّل يتغيّر كل ساعة.إذ، أن الرد الإيراني الأخير أزعج إسرائيل، والسؤال المطروح الآن: هل سيكون الرد الإسرائيلي أقسى؟ وهل إيران، التي يقول عنها نتنياهو إنها تمتلك أكثر من 20 ألف صاروخ، قد ترد بطريقة أشدّ؟ وإذا ما شعرت إسرائيل بالإهانة، هل تُقحم الولايات المتحدة نفسها عسكرياً في الصراع”؟.. كل هذه الأسئلة ستتضح ملامح أجوبتها في الأيام القليلة المقبلة، في وقت تعيش فيه المنطقة على حافة انفجار كبير.ش لا

إلى أين تتجه المنطقة؟

اليوم، و مع تصاعد وتيرة الهجمات والتغيرات المتسارعة، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة لم تشهدها خلال عقدين من الزمن. ففي عام واحد ، سقطت معادلات ظلّت ثابتة لعقود. انتهت الحرب في لبنان على نحو مفاجئ، وبدأت عملية ردع العدوان في سوريا تزعزع أركان نظام لم تُفلح حربٌ دامت 13 عاماً في إسقاطه، ووصلت الضربات إلى عمق نفوذ الحوثيين، وصولاً إلى قلب إيران نفسها.

ما كان يُنظر إليه في السابق كصراعات متفرقة، بات اليوم مشهداً موحّداً لأزمة إقليمية شاملة. ويبدو جلياً أن ما جرى ويجري لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة لاتفاقات وتفاهمات دولية ـ ربما غير مُعلنة ـ هدفت إلى إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، عبر تدمير منظم لمقدّراته، لا سيّما في البنى الإقتصادية والحضرية والسياسية.

في هذا السياق، تتخذ إيران خطوة غير مسبوقة، منفّذة هجمات ضد إسرائيل في أكثر المرات جدية ووضوحاً، ما يفتح الباب على احتمالات كارثية.
فهل نحن على أعتاب ولادة شرق أوسط جديد، يعتمد على التطبيع مقابل السلام؟ أم أن المنطقة تتجه إلى جحيم مفتوح لا أحد يعرف مداه ؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top