
المنطقة تشهد تحولات جذرية بين ليلة وضحاها، تحولات كانت تحتاج لعقود لتتحقق. الأنظمة القديمة تنهار، والحروب تندلع بلا توقف، تنتقل من دولة إلى أخرى، برعاية إسرائيلية وهدف واحد: القضاء على أي تهديد لأمن الدولة العبرية وفتح الباب أمام الاتفاقات الإبراهيمية، لنقل الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة.
العواصم العربية والخليجية أدركت هذه التحولات، التي فجرتها عملية “طوفان الأقصى”، باستثناء بيروت. رغم أن لبنان دفع ثمناً باهظاً بسبب دعم “حماس”، بقرار منفرد اتخذه “حزب الله”، إلا أن الحزب وقواه الداعمة لا تزال تتصرف كما لو لم يحدث أي تغيير، وفق ما تؤكد مصادر نيابية سيادية لـ”نداء الوطن”.
في السياسة والإدارة والاستراتيجية، لا يزال “حزب الله” وحركة “أمل” بنفس الذهنية القديمة التي أعاقت قيام الدولة لعقود. لا التفجيرات التي دُمرت بها الجنوب والضاحية، ولا الهزيمة التي لحقت بـ”حزب الله” في حرب الإسناد، غيرت شيئاً في سلوكهما.
في ملف حصر السلاح بيد الدولة، الذي نص عليه اتفاق “الطائف”، يماطل الحزب ويشتري الوقت. يتظاهر بالانصياع لرئيس الجمهورية جوزاف عون، لكنه في الواقع يعيد بناء قدراته العسكرية، كما صرح أمينه العام الشيخ نعيم قاسم. ويمارس غموضاً متعمداً تجاه مشاركته في الحرب الإسرائيلية الإيرانية، في انتظار أوامر طهران، مؤكداً مرة أخرى انتماءه الإيراني أكثر من الوطني. فعندما تنادي إيران، يلبّي النداء فوراً، أما عندما يدعو رئيس الجمهورية إلى الحوار، فـ”لا أحد ورانا”، كما قال رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد.
إلى جانب هذا السلوك الذي يعطل إعادة الإعمار ويعوق قيام الدولة، يواصل “الأخ الأكبر” لرئيس “حزب الله”، نبيه بري، إلحاق الضرر بلبنان ونهضته. لا يزال يفرض شروطه في التعيينات، رافضاً إقرارها إلا بتحقيق مطالبه، ويمارس سياسة “إما ما أريد أو أعطّل”. كما يحاول “الثنائي الشيعي” فرض قانون انتخاب يضمن له أكبر عدد من المقاعد، متجاهلاً باقي الفئات السياسية، في محاولة لتعويض خسائره السياسية والعسكرية منذ اتفاق وقف النار.
الحسابات الإيرانية لـ”حزب الله”، ومنطق التعطيل الذي يعتمده بري، يشكلان معاً تهديداً خطيراً للدولة وأحلام اللبنانيين. فهل يدركون أن “الزمن الأول قد تغير”، وأن عليهم تحديث عقليتهم سريعاً، وإلا فإن لبنان سيجد نفسه قريباً إما تحت القصف مجدداً أو غارقاً في العزلة والدمار، بينما محيطه ينطلق نحو الازدهار؟
المصدر : لارا يزبك- نداء الوطن
