
رغم التطورات الجذرية التي طالت مشروع “حزب الله” خلال الأشهر الماضية، لم تُبادر الدولة اللبنانية إلى الاستفادة منها لحسم مسألة السلاح غير الشرعي وبسط سلطتها الكاملة.
ثلاث ضربات استراتيجية
في أقل من عام، تلقّى الحزب ثلاث ضربات كبرى:
1. الضربة الأولى جاءت نتيجة المواجهة العسكرية التي قضت على القسم الأكبر من قيادته وبنيته العسكرية، ما أجبره على توقيع اتفاق لتفكيك مشروعه المسلّح في 27 تشرين الثاني.
2. الضربة الثانية تمثلت في سقوط النظام السوري، الحليف الاستراتيجي له وطريق إمداده بالسلاح، في 8 كانون الأول.
3. الضربة الثالثة هي الأهم: التهديد الجدي بإنهاء الدور الإقليمي لإيران، التي شكّلت الحاضنة التأسيسية للحزب.
السؤال المطروح: ما الذي تنتظره الدولة اللبنانية أكثر من ذلك لحسم هذه المسألة؟ وهل يمكن الاستمرار في تبرير ازدواجية السلاح بعد كل ما تغيّر؟
انهيار المحور وغياب البدائل
إذا كانت الضربة الأولى قد دمّرت الذراع العسكرية، والثانية قطعت خطوط الإمداد الجغرافية، فإن الثالثة تضرب الرأس السياسي للمشروع. ما زال مصير النظام الإيراني غير محسوم: هل ستؤدي الحرب إلى سقوطه الكامل، أم إلى استسلامه وشلّ قدراته النووية والباليستية؟ في الحالتين، من الصعب إعادة بناء المشروع نفسه وسط الرقابة الدولية والتوازنات الجديدة. لكن سقوط النظام، بطبيعة الحال، سيكون حلاً جذرياً.
الرهان على أن هذه الحرب ستطول كما في أوكرانيا أو بين إيران والعراق غير واقعي، فطبيعتها مختلفة، ويُتوقع أن تُحسم سريعًا بإعلان طهران استسلامها أو تغيير قيادتها بشكل نهائي.
ماذا بعد؟
ينبغي أن تُدرك الدولة أن المشروع السياسي والعسكري الذي مثّله “حزب الله” وصل إلى نهايته. وعلى الحزب أن يراجع خياراته ويعلن بوضوح انتهاء مشروعه المسلح، وإلا فعلى الدولة أن تتصرف وتفرض سيادتها عبر قرارات تنفيذية وقضائية، مثل تجريم حيازة السلاح خارج إطار الشرعية.
ولا يكفي القول إن الحزب لم يدخل الحرب الأخيرة إلى جانب إيران، فهذا لا يعني انتهاء سلاحه، بل يدل فقط على عجزه المؤقت. فطالما لم يُعلن بنفسه نهاية مشروع “المقاومة”، يبقى احتمال عودته مطروحًا. وهنا تكمن خطورة التساهل مع واقعه الحالي.
الانقسام لا يمكن أن يستمر
لبنان لا يحتمل مزيدًا من الانقسام بين من يرفض استمرار مشروع السلاح باسم “المقاومة”، ومن يتمسّك به رغم انهيار أساساته. المطلوب اليوم ليس فقط معالجة تداعيات الحرب على إيران، بل اتخاذ موقف حاسم تجاه كل امتداداتها في الداخل اللبناني.
ويبقى التحدي الأكبر أن لا يتحوّل “فرع الثورة الإيرانية” في لبنان إلى جسم بلا رأس. فالأحزاب العقائدية قلّما تتراجع عن أفكارها، لكن ما يهمّ اللبنانيين الآن هو إنهاء قدرتها على استخدام العنف، وتجريم سرديتها العسكرية، وصولًا إلى تحييد البلاد عن صراعات المحاور.
المصدر: شارل جبور- نداء الوطن
