
جاءت المفاجأة مع الضربة الإسرائيلية الأولى التي استهدفت إيران، مفتتحة مرحلة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط، ومعيدة رسم موازين القوى عبر ما يمكن تسميته بـ”حرب المساحات”. وردّت طهران بإطلاق صواريخ باليستية، لتدخل المنطقة في مواجهة مباشرة، غير متماثلة، تستند إلى عامل جغرافي معقّد.
مساحة الأرض: نعمة ونقمة
تمتد إيران على مساحة ضخمة تفوق 1.6 مليون كلم²، أي أكبر بـ75 مرّة من مساحة إسرائيل الصغيرة نسبياً (نحو 22 ألف كلم²). هذا الامتداد الواسع يشكل في الوقت نفسه مكسباً وعبئاً لطهران: فهو يسمح لها بتوزيع منشآتها الحيوية في مناطق يصعب استهدافها جميعاً، لكنه يُصعّب في المقابل تأمين حماية جوية شاملة لها. أما إسرائيل، فإن صِغَر مساحتها يُمكّنها من تغطية أراضيها بمنظومات دفاع جويّ محكمة، لكنه يجعل أهدافها الحيوية مكشوفة وأكثر عرضة للتدمير، كما حصل في الهجوم الذي طال حيفا.
صراع الاستنزاف
مع استمرار تبادل الضربات، تحوّل النزاع إلى حرب استنزاف متبادلة: إيران تُنفق من مخزونها الباليستي، وإسرائيل تُهدر صواريخ دفاعها الجوي. هذا ما تنبّه إليه المفكر العسكري مايكل هاوارد حين قال إن “اللوجستيات هي قلب الاستراتيجية”، فالمعركة اليوم تتعلق بالقدرة على الاستمرار، وليس فقط بتحقيق التفوق في ضربة واحدة.
التدخل الأميركي: تحوّل نوعي
الضربة الأميركية ضد المنشآت النووية الإيرانية غيّرت قواعد اللعبة. الولايات المتحدة أضافت وزناً كبيراً لصالح إسرائيل، لكن تبقى الأسئلة الجوهرية: هل نجحت الضربة فعلاً في القضاء على المشروع النووي الإيراني؟ ماذا عن تقارير نقل مواد من منشأة “فوردو” إلى مواقع مجهولة؟ وهل يمكن أن تقبل طهران بهدنة تشبه “تجرّع السمّ” كما فعلت في نهاية حربها مع العراق؟
خيارات إيران للرد
ما زالت إيران تردّ بشكل مباشر على إسرائيل دون أن تواجه رداً أميركياً مباشراً، ما قد يغيّر قريباً. وإذا قررت طهران الرد على واشنطن، فستدرس خياراتها بعناية وسط وضع داخلي هشّ وحشد عسكري أميركي غير مسبوق في المنطقة. السيناريوهات المحتملة تشمل:
- هجمات سيبرانية: قد تكون خياراً غير تصعيدي، لكنها غير كافية كردّ رمزيّ أو استراتيجي.
- مضيق هرمز: تهديد الملاحة في هذا الممر الحيوي وارد، لكن إغلاقه يضر بمصالح إيران نفسها، ويضعها في مواجهة مباشرة مع دول الخليج والولايات المتحدة.
- الوكلاء الإقليميون: تراجع دورهم بعد انهيار استراتيجية “الدفاع الأمامي” لإيران، لكنهم قد يُستخدمون في إطار حرب استنزاف طويلة.
- ضرب القواعد الأميركية: قد تلجأ طهران إلى هجمات محدودة على مواقع أميركية في العراق أو سوريا لتفادي التصعيد المباشر في الخليج.
شرق أوسط جديد؟
في عام 2006، تحدّثت كوندوليزا رايس عن “ولادة الشرق الأوسط الجديد”، وردّ خامنئي آنذاك بمشروعه الخاص القائم على النفوذ الإيراني. اليوم، ومع نقل المعركة إلى الداخل الإيراني وسقوط أدواتها في المنطقة، يبدو أن مشروع طهران قد انهار، فهل نشهد الآن ميلاد شرق أوسط عربي الطابع؟
حتى اللحظة، لا تزال الحرب مستعرة وغبارها يحجب الرؤية، لكن المؤشرات الأولى توحي بأن الشرق الأوسط الذي يتشكّل الآن سيكون بعيداً عن الهيمنة الإيرانية، وربما أقرب إلى تحالفات عربية جديدة.
