تفاوت الأسعار مستشري… ومعاناة اللبنانيين لا تهدأ

تعكس جملة قصيرة أطلقها أحد السكان في منطقة الكورة، واقعًا مأساويًا يعيشه اللبنانيون مع تباين الأسعار من سوبرماركت إلى آخر، حتى في نطاق جغرافي صغير. هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على حي أو قضاء، بل تحولت إلى حالة عامة تغزو مختلف المناطق اللبنانية.

في ظل أزمات متلاحقة، لا يقتصر التحدي على ارتفاع الأسعار السنوي بنسبة 1.3% مقارنة بالعام الماضي (وفق وزارة الاقتصاد)، بل يتعدى إلى فوضى تسعير مستمرة يفرضها التجار دون ضوابط واضحة، مما يطرح تساؤلات حقيقية عن دور الوزارة وأجهزتها الرقابية في حماية المستهلك.

مدير حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، طارق يونس، يوضح أن “الاختلاف في الأسعار أمر طبيعي بسبب تفاوت التكاليف التشغيلية بين المناطق”، مشيرًا إلى أن “المهمة الأساسية للوزارة تتركز على مراقبة نسب الأرباح وليس توحيد الأسعار”. يضيف أن “المستهلكين لا يميزون دائمًا بين أنواع المنتجات، مما يؤدي إلى مقارنات غير دقيقة”.

تقوم الوزارة يوميًا بـ20 إلى 25 جولة تفتيشية في بيروت وجبل لبنان، إلى جانب فروع في الشمال والبقاع والنبطية، تراقب الأسعار وجودة السلع، خاصة في السوبرماركات والمطاعم. ويشير يونس إلى أن مراقبة الأسعار تشمل التأكد من تطابق السعر المعلن مع السعر عند الصندوق، إضافة إلى الالتزام بنسب الأرباح القانونية.

ومع ذلك، يواجه المراقبون تحديات عدة مثل تهرب التجار من إبراز الفواتير، وضعف الرواتب، والاعتداءات الأمنية عليهم. أما المخالفات الأكثر شيوعًا فتشمل تجاوز نسب الأرباح المسموح بها، اختلاف الأسعار بين الرفوف والصناديق، وعدم الإعلان عن الأسعار.

تعتمد وزارة الاقتصاد على قرار وزاري يعود إلى 2008 يحدد نسب الأرباح القصوى على مختلف السلع، مثل 7% للجملة و10% للمفرق على المواد الدهنية، و5% للجملة و10% للمفرق على اللحوم والحبوب، ونسب متفاوتة لبقية السلع.

لكن رغم هذه القوانين، يظل غياب المحاسبة القضائية الرادعة أبرز مشكلة، إذ كثير من محاضر الضبط عالقة في القضاء منذ سنوات، ولا تشكل رادعًا فعالًا، ما يعزز الفوضى التسعيرية.

وعن التعاون مع البلديات، يشير يونس إلى وجود حق نظري للبلديات في التدخل، لكن ضعف الإمكانيات والخبرة يحول دون فعاليتها.

من جهة أخرى، يرى رئيس جمعية “مستهلك – لبنان” زهير برّو أن “المشكلة ليست في الرقابة، بل في طبيعة السوق اللبناني، الذي يعتمد بنسبة 80-85% على الاستيراد، ما يفتح الباب أمام استغلال التجار للأسعار في ظل غياب المنافسة الحقيقية والاستقرار”.

ويقول برّو إن “الرقابة شكلية وغير فعالة في نظام السوق الحر، لأن لكل تاجر كلفة تشغيل مختلفة، ويصعب فرض سقوف أسعار حقيقية”. يقترح كحل نشر أسعار السلع الأساسية بشكل دوري في المحال الكبرى، ما يعزز المنافسة ويقلل الفوضى.

على الأرض، تنعكس هذه التحديات في معاناة المواطنين اليومية. في الكورة، تعبّر ريما، سيدة خمسينية، عن استيائها من الفارق الكبير في الأسعار بين محال قريبة: “20 دولارًا فرق في الفاتورة فقط لأن الأسعار تختلف من محل لآخر”.

وفي عكار، يصف محمد، موظف وأب لأربعة أطفال، رحلة التسوق الأسبوعية بأنها “مهمة استخباراتية” يختار فيها كل مرة المحل الأرخص، رغم تغير الأسعار المفاجئ.

في زغرتا، تشكو شاديا، معلمة، من فوضى الأسعار المستمرة داخل نفس المنطقة، بينما تؤكد فاتن من بيروت أنها تقارن دائمًا بين عدة محال لتجنب ارتفاع التكاليف المفاجئ.

جولة ميدانية بين السوبرماركات أكدت وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار حتى داخل الحي الواحد، حيث يلتزم بعض المحال بالإعلان الواضح للأسعار، في حين تغيب هذه الشفافية في أخرى، ما يزيد شعور المواطنين بالغبن والارتباك.

في ظل غياب رقابة فعلية وآليات محاسبة فعّالة، يبقى المواطن اللبناني ضحية لطمع التجار وتفاوت الأسعار، وسط تساؤل مُلحّ: إلى متى ستستمر هذه الفوضى، ومتى يبدأ الإصلاح الحقيقي لحماية المستهلك؟

المصدر: سيدة نعمة- نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top