بين شرعية العقود وشبهات التبييض”بيت آرابيا ” من منصة مراهنات قانونية إلى محور فضيحة قضائيةكيف انقلب المشهد حول “بيت آرابيا”… وهل ما يجري كشف لحقيقة أم محاولة لإقصاء طرف في سبيل تمكين أطراف جديدة؟

بقلم ندى جوني

ضجّ الإعلام اللبناني ومواقع التواصل الإجتماعي في الأيام الماضية بقضية “بيت آرابيا”، المنصة الإلكترونية الخاصة بألعاب الميسر والمراهنات، بعدما داهم جهاز أمن الدولة عدداً من صالات القمار التي قيل إنها تعمل بإشراف الشركة، وأقفلها بالشمع الأحمر. إلاّ أن ما يثير التساؤلات والشكوك هو توقيت فتح هذا الملف. فبعد سنوات من العمل العلني للمنصة، وهي بطبيعة الحال لم تكن مشروعاً سرّياً، بل عملت تحت مظلّة كازينو لبنان، ووقّعت عقوداً مع جهات رسمية، وظهر اسمها في إعلانات واضحة خلال البطولات الرياضية، وسط حديث دائم عن مساهمتها في دعم خزينة الدولة. إلاّ أن ما يجري اليوم قد يكون أشبه بصدمة. إذ، تُطرح قضية بيت آرابيا بوصفها فضيحة كبرى، في وقت حسّاس، يشهد إعادة ترتيب مراكز القوى داخل السلطة السياسية، ويعاد فيه فتح ملفات كانت مغلقة بإحكام.
ويبقى السؤال الأهم : هل ما يجري هو كشف لحقيقة متأخرة عن مخالفات فعلية، أم محاولة لإقصاء طرف رُفعت عنه الحماية السياسية، في سبيل تمكين أطراف جديدة من السيطرة على هذا السوق المربح؟
بين هذين الإحتمالين، يستعرض موقع “ديموقراطيا نيوز “، الوقائع المثارة، كالتقارير الأمنية إلى المعطيات القانونية، كما ويضيء على السياق الذي أُعيد فيه فتح الملف، بكل ما يحمله من تشابك في المصالح، وصراع على النفوذ.

بين الإتهام والبراءة: ماذا يحدث في قضية “بيت آرابيا”؟

عقب مداهمات نفّذها جهاز أمن الدولة في 27 حزيران 2025، أُقفلت عدة صالات قمار مرتبطة بمنصة “بيت آرابيا”، والمنتشرة بين بيروت وجبل لبنان والبترون وزغرتا، بالشمع الأحمر. ووفق مصادر أمنية، فإن سبب الإقفال، يعود إلى تشغيل هذه الصالات بصورة غير قانونية، وسط شبهات تتعلق بعمليات تبييض أموال تقدَّر بملايين الدولارات. وقد تم توقيف 12 شخصاً على صلة بهذه العمليات، من بينهم مدير منصة “بيت آرابيا” داني عبود، كما تم استدعاء رئيس مجلس إدارة شركة OSS المشغّلة للمنصة، جاد غاريوس، إلى التحقيق. وتضمنت لائحة الصالات التي أُقفلت: THE ROYAL CLUB, ALBIHAR HOTEL, LAS VEGAS, OLYMPUS, PRIVATE C, YOUNG CAFÉ, SPARCA.
كما تدور شكوك أيضاً حول ارتباط المنصة بسوق سوداء موازية للقطاع الرسمي للمراهنات. وتشير المصادر إلى أن المنصة، التي كان من المفترض أن تنظّم هذا السوق وتزيد من إيرادات الدولة، أصبحت متهمة اليوم بخدمة شبكة نفوذ، وتشغيل صالات غير مرخّصة، والعمل كغطاء لعمليات مالية غير شرعية.
واللافت أن “بيت آرابيا” كانت تعمل بموجب عقد موقّع مع كازينو لبنان منذ العام 2022، وقد جرى تقديمها كمنصة المراهنات الشرعية الوحيدة في البلاد. وجاء توقيع العقد نتيجة مناقصة عمومية أُطلقت بإشراف خبراء دوليين، بعد مراسلات بين وزارة المالية والكازينو منذ عام 2014 وحتى عام 2020.
وقد فازت شركة OSS بالمناقصة، وهي شركة يملكها هشام عيتاني، ووقعت العقد خلال ولاية الرئيس ميشال عون.

وفي استشارة صادرة عام 2023، أكد ديوان المحاسبة شرعية العقد، موضحاً أن كازينو لبنان، كشركة مساهمة خاصة، لا تخضع لقانون الشراء العام، وشدّد على ضرورة استكمال العقد حفاظاً على إيرادات الدولة. كما دعا الديوان إلى إصدار نص قانوني ينظّم المراهنات الإلكترونية، دون التشكيك بشرعية تفويض الكازينو، بل معترفًا به رسميًا.

تفيد مصادر مطّلعة أن حصة الدولة من أرباح المنصة تتجاوز 18%، ويتقاضى الكازينو نسبة مماثلة، فيما تحصل OSS على 5% فقط. كما أن فتح الوكالات الفرعية جاء نتيجة تعديل قانوني أُقرّ بموافقة الكازينو، وصُدّق رسمياً من الدولة، ما يعني أن فتح هذه الصالات لم يكن قراراً فردياً بل تم بتفويض رسمي من إدارة الكازينو.

في المقابل، أُثيرت تساؤلات بعد مغادرة رجل الأعمال هشام عيتاني، المالك الأكبر لشركة OSS، إلى قبرص، قبل ساعات من استدعائه للتحقيق. حيث تشير تقارير إعلامية إلى أن النيابة العامة المالية أصدرت بحقه قرار منع سفر، إلا أنه غادر قبل تنفيذه. و تردد أن عيتاني باع حصته من الشركة، إلا أن مصادر قانونية اعتبرت أن هذا التنازل قد يكون شكلياً، بدليل استمرار ورود اسمه في سجلات الشركة الرسمية.

وتُظهر سجلات وزارة الاقتصاد أن شركة OSS سُجّلت بتاريخ 20 أيلول 2022، ويملكها هشام عيتاني عبر شركة Intersektion (Holding)، التي يشاركه فيها داني نمر عيد وفيكتور نجاريان. كما تضم الشركة:
• داني نمر عيد: مدير سابق في كازينو لبنان
• إيمان أنطوان السخن: مستشارة قانونية
• جاد غاريوس: رئيس مجلس إدارة OSS
• داني عبود: مدير منصة ” بيت آرابيا “
ما يكشف عن تشابك واضح بين إدارة الكازينو السابقة والشركة المشغّلة للمنصة.

في المقابل، تؤكد مصادر أخرى أن حسابات الشركة تخضع لتدقيق مالي شهري، وتُسلّم تقاريرها لوزارة المالية، وتخضع لمراقبة لجنة فنية داخل كازينو لبنان. كما يتم استخدام أنظمة رقابة تقنية دولية لمنع تبييض الأموال، بموجب مواصفات معتمدة من شركات عالمية.

ويُطرح في هذا السياق تساؤل واضح: لماذا سكتت الدولة عن السوق السوداء طوال هذه السنوات رغم أن أرباحها تخطت 4 مليارات دولار دون أن تدخل ليرة واحدة إلى الخزينة، في حين ساهمت “بيت آرابيا” بزيادة إيرادات الدولة بعد ترخيصها؟

كلّ هذه الوقائع التي أمامنا تجعل كلّ الاحتمالات مفتوحة. فهل فعلاً منصة “بيت آرابيا” وشركة OSS فاسدة، أم أنها ضحية في سوقٍ فالت، تحكمه الولاءات لا القوانين؟.. وهل نحن أمام ملف يُفتح لمحاربة الفساد أم لتصفية نفوذ سابق لصالح نفوذ جديد؟.. وهل يُعقل أن تكون جهة واحدة متورطة، في حين أن عقوداً وقرارات رسمية ووزارات بأكملها شاركت أو سكتت أو مرّرت؟..

الجواب لا يزال ضبابياً، كحال الدولة التي لا تحاسب إلا حين تنكسر التوازنات، ولا تفتح الملفات إلا إذا تضاربت المصالح. فسواء أُدينت “بيت آرابيا” أم بُرّئت، ما يجري اليوم يعكس طبيعة النظام اللبناني القائم على الزبائنية و الفساد الذي بات واضحًا أنه لا يعالج بشكل جذريّ.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top