
بقلم رنا سلما
منذ السابع من تشرين الأول، والمنطقة تعيش مخاضًا جيوسياسيًا غير مسبوق. فالتوازنات القديمة تتفكك، ومحاور الصراع تتبدل، في ظل انكفاء الحروب بالوكالة، وتصاعد المؤشرات عن تفاهمات إقليمية تُرسم. ومن بين تلك المؤشرات، ما يُحكى عن تقارب غير معلن بين دمشق وتل أبيب، قد يبلغ حدّ التسوية. وإن صحّت هذه المعطيات، فإن لبنان، الواقع على “خط التماس” السياسي بين طهران وتل أبيب، سيكون أول المتأثرين.
فأي اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل لن يكون مجرّد تفصيل ثنائي، بل عنوانًا لتغيير شامل في قواعد اللعبة الإقليمية، حيث يُعاد رسم النفوذ، وتُفرز التحالفات، وتُحدَّد أدوار الدول وفق مدى انخراطها في مشاريع الاستقرار والنمو الاقتصادي.
نهاية “الحروب بالوكالة”… وسقوط الكوريدور الإيراني؟
لأكثر من عقد، شكّلت سوريا حلقة أساسية في ما يُعرف بـ”الكوريدور الإيراني”، الذي يمتد من طهران، مرورًا ببغداد، وصولًا إلى بيروت عبر دمشق. غير أن هذا الممر الاستراتيجي بات مفكّكاً، ليس بسبب الضربات العسكرية فقط، بل نتيجة تحوّلات أعمق في الأولويات الإقليمية والدولية… هذا ما تقوله خبيرة النفط والغاز لوري هايتايان.
وتعتبر هايتايان ان “سقوط نظام بشار الأسد يعني تقليصًا كبيرًا لنفوذ “حزب الله” في لبنان. فالحزب، الذي راهن طويلًا على تحالفه مع دمشق وطهران، سيجد نفسه معزولًا، ومحاصرًا، بعدما تراجعت قدراته المالية والعسكرية، واهتزّ مشروع “المقاومة” برمّته، خصوصًا في ظل انحسار التمويل. اذاً أسلوب الحروب عبر الوسطاء سقط، والحد من هيمنة “الحزب” بسلاحه في لبنان يكون من خلال السعي لتكون سوريا دولة فعّالة ومستقرّة”.
أحمد الشرع… تكرار لنسخة حافظ الأسد؟
أحمد الشرع أصبح وجه النظام الجديد في دمشق، وقد يجد نفسه أمام خيارين: إما الانخراط في نظام إقليمي براغماتي مقابل رفع العقوبات وعودة الاستثمارات، أو استمرار العزلة والتدهور. ووفق هايتايان فإن تطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل سيكون على الأرجح جزءًا من شروط عودة دمشق إلى الخارطة السياسية والاقتصادية للمنطقة. لكن الإشكالية تبقى: هل يتحوّل الشرع إلى “ديكتاتور جديد” يُعيد إنتاج نظام حافظ الأسد؟ وهل الشعب السوري ما زال يملك حساسية تجاه فكرة السلام مع إسرائيل، أم أن أولوياته تغيّرت بالكامل؟ تؤكد هايتايان “بطبيعة الحال يبقى الجواب عند الشعب السوري”.
لبنان: بين الغياب والاستبعاد
بالعودة إلى وضعنا الداخلي في لبنان، توضح هايتايان ان “سياسة “النأي بالنفس” لم تعد خيارًا، بل بات أشبه بعذرٍ دائم للهروب من القرار الحاسم. فالمشاريع الإقليمية بدأت تتبلور، من خلال التعاون في مجالات الطاقة والمياه والغذاء، إلى تحالفات أمنية تُرسم على أساس المصالح لا الأيديولوجيا. فهل يريد لبنان أن يكون شريكًا في هذه المرحلة، أم يبقى رهينة انقساماته؟”. تقول هايتايان ان “الانقسام الداخلي، وهيمنة “حزب الله”، وشلل مؤسسات الدولة، جميعها عوامل دفعت بلبنان خارج اللعبة الإقليمية ويجد بلدنا نفسه عالقًا في مكانه، من دون خارطة طريق، أو قيادة فاعلة، في وقتٍ تُعيد فيه السعودية والإمارات ومصر رسم الأولويات على أسس اقتصادية”.
دور ضائع للقطاع الخاص وغياب الرؤية الاقتصادية… الغاز فرصة لم تُلتقط بعد
في ظل غياب القرار الحاسم يبقى التعويل على القطاع الخاص اللبناني ليكون المحرك الأساسي نحو الانخراط في النظام الاقتصادي الجديد. غير أن هذا القطاع، رغم حيويته، يفتقر إلى مظلّة وطنية استراتيجية. فلا رؤية موحدة، ولا تسويق للميزات اللبنانية، ولا خطة اقتصادية قيد التنفيذ… توضح خبيرة النفط والغاز. وتؤكد ان تكون “خطة “ماكنزي”، انطلاقة أساسية للبنان لتسويق إمكاناته في المنطقة وجذب الاستثمارات”. وتعتبر انه “لبنان على سعي دائم لتطوير قطاع الغاز لكنه لم يستطيع لغاية الآن التقاط الفرص لتسويق إمكانياته للعب دوره والمساهمة في حاجات المنطقة. فمثلاً مصر التي تسعى لتنويع مصادرها تبحث عن بدائل. هنا يمكن للبنان أن يلعب دورًا استراتيجيًا إذا نجح في جذب شركات عالمية، وسعى لبناء علاقات تعاون مع القاهرة أو الدوحة، بدل أن ينتظر التحالفات في قطاع الغاز بالإقليم”.
رئيسة شبكة القطاع الخاص في لبنان ريما فريجي: لبنان يمتلك المقومات اللازمة… لكن!..
تعدّد رئيسة شبكة القطاع الخاص في لبنان ريما فريجي الأولويات للبدء بتحديث القطاعات في لبنان “أولها وقبل كل شيء، يجب على لبنان أن يضمن سيادته – فبدون استقرار وطني، لا يمكن لأي دولة أن تتموضع بفعالية في المشهد الإقليمي المتغير أو أن تلعب دوراً اقتصادياً فاعلاً… ثانياً، علينا تهيئة مناخ استثماري يرتكز على الأمن والشفافية وسهولة ممارسة الأعمال. هذا هو الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه أي رؤية اقتصادية مستدامة. ثالثاً، يجب أن نحدد بوضوح مزايانا التنافسية ونستغلها في السياق الإقليمي. تكمن قوة لبنان في رأسماله البشري – المرن، والمبتكر، وروح المبادرة، والمتعدد اللغات، والمتكيف ثقافياً. نحن بلد مضياف ذو انفتاح طبيعي على العالم”.
تضيف فريجي “بمجرد توفر هذه الظروف، يجب أن نعتمد نهج (Leapfrog) لتحديث القطاعات ذات أعلى إمكانات للنمو والقدرة على خلق فرص العمل والاستثمار فيها – مثل الزراعة والأغذية الزراعية، والصناعة، والاقتصاد الرقمي، والضيافة والسياحة، والخدمات الطبية، والسياحة العلاجية. يجب أن نعمل أيضاً على استعادة دور بيروت كمركز فكري وتعليمي للمنطقة. لبنان يمتلك المقومات اللازمة. إن ما نحتاج إليه الآن هو قرار سيادي، وخريطة طريق واضحة، والإرادة الجماعية للعمل”.
تبقى الإشكالية الكبرى، انه بعد انتهاء المفاوضات والانسحاب الإسرائيلي من لبنان كيف ستكون علاقة لبنان مع إسرائيل، هل سنبقى على عداء دائم وبالتالي الحاجة الدائمة لمكوّنات مدافعة عن لبنان أم أننا بحاجة لدعم الجيش اللبناني عبر تدعيم خطة الدفاع الوطني… هل نتوقّف على هدنة العام 1949 أم هناك إمكانية لإعادة التفكير بمستقبل العلاقات بين لبنان وإسرائيل بما يخدم مصلحة لبنان، خصوصاً ان بعض الأوساط الدولية تشير إلى انها “تلمس “إيجابية” باتجاه إمكانية التعاون مستقبلاً “!
بغض النظر عن الإشكالية السابقة، يبقى الأكيد أن لبنان يقف اليوم أمام لحظة حاسمة، تتطلب قرارًا شجاعًا: إما الانخراط الواعي في نظام إقليمي جديد يُبنى على أساس الاقتصاد والاستقرار، أو البقاء في موقع المتفرّج.
