
بقلم ندى جوني
“لن أتنازل عن موقفي. لا تُفاوضوا على براءتي… تحريري لا يتمّ إلّا عندما يقتنع السجّان بأن كلفة بقائي في السجن أعلى من كلفة الإفراج عني.”
بهذه الكلمات من خلف قضبان سجون فرنسا، الدولة التي تنادي بالحريات والعدالة الإنسانية، اختصر جورج إبراهيم عبد الله 41 عاماً من الإعتقال، رفض خلالها المساومة أو التراجع. لم يطلب العفو، ولم يبدِ ندماً. ظلّ ثابتاً على موقفه منذ لحظة اعتقاله عام 1984 وحتى الإفراج عنه يوم 25 تموز 2025. خرج كما دخل: مناضلاً صلباً، لم تتغيّر بوصلته. جورج عبد الله ليس سجيناً سابقاً فحسب، بل رمزاً لحقبة كاملة من النضال السياسي اللبناني والعربي، نشأ في زمن النكبة، وتبلور وعيه خلال النكسة، واصطفّ في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي بعد اجتياح بيروت عام 1982، حيث لم تكن المقاومة شعاراً، بل مساراً وجودياً. تحوّلت قضيته من ملف قضائي إلى قضية سياسية وأخلاقية وإنسانية، تكشف زيف العدالة الغربية، وتفضح ازدواجية المعايير، لا سيما حين يتعلق الأمر بالنضال الفلسطيني أو بمن يدعمه. واليوم تتهافت الدول على إبرام صفقات تطبيع مع إسرائيل، التي تمارس أخطر إبادة في العصر الحديث بحق الفلسطينيين.
يعود جورج عبد الله إلى بلده بعد 41 عاماً، لا باعتباره مجرّد إنسان حصل على حريته، بل كشاهد على انهيار المنظومة الأخلاقية الدولية، وكأحد آخر الأصوات التي لم تتورّط في التنازل، ولا في إعادة تعريف الاحتلال بوصفه شريكاً.ث
النشأة والتكوين الفكري
وُلد جورج إبراهيم عبد الله عام 1951، في بلدة القبيّات شمال لبنان، ضمن عائلة مارونية مكوّنة من تسعة أبناء. نشأ في بيئة متديّنة، تقليدية، ولكنها كانت تعيش تحوّلات سياسية كبيرة بفعل تصاعد الصراعات في لبنان والمنطقة، وعلى رأسها قضية فلسطين.
في سنوات مراهقته وشبابه، كان عبد الله شديد التأثر بالنكبة والنكسة، وقد لعبت هزيمة 1967 دوراً مركزياً في بلورة وعيه السياسي، حيث بدأ يرى في المقاومة المسلحة أداة ضرورية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي والأنظمة المتحالفة معه. أكمل جورج دراسته وعمل معلّماً. هناك، بدأ يلتقي بطلاب فلسطينيين ولاجئين ومناضلين يساريين، ما عمّق ارتباطه بالقضية الفلسطينية، ودفعه تدريجاً إلى ترك مهنة التعليم والانخراط في العمل السياسي والمسلّح.
كان انتقاله هذا نتيجة قراراً نابعاً من قناعة بأن الكفاح المسلّح هو السبيل الوحيد لمواجهة المنظومة الإستعمارية القائمة.
من التعليم إلى النضال: الإنخراط في المقاومة
في أواخر السبعينات، انضم عبد الله إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، قبل أن يشارك في تأسيس تنظيم “الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية” (FARL) عام 1979. كان التنظيم مكوّناً من مناضلين لبنانيين، معظمهم من خلفيات يسارية، وقد نفّذ عدة عمليات ضد أهداف أميركية وإسرائيلية في أوروبا، بالتنسيق مع شبكات يسارية أوروبية مثل الجيش الأحمر الألماني وأكشن دايركت الفرنسية. لم يكن عبدالله منفّذاً عسكرياً مباشراً فقط، بل كان أحد العقول التنظيمية والسياسية التي ربطت بين العمل المسلّح في أوروبا والصراع الواسع ضد الاستعمار الصهيوني والإمبريالية الأميركية في الشرق الأوسط. فالعمليات التي نُسبت إلى التنظيم شملت اغتيال الدبلوماسي الإسرائيلي ياكوف بار سيمانتوف في باريس عام 1982، وضابط الإستخبارات الأميركي تشارلز راي، إضافة إلى هجمات أخرى على منشآت دبلوماسية.
الإعتقال والمحاكمة
في تشرين الأول 1984، ألقت السلطات الفرنسية القبض على جورج عبد الله في مدينة ليون، وهو يحمل جواز سفر جزائري مزوّر. خلال التحقيق، اتُّهم بالمشاركة في التخطيط لعمليات اغتيال، وبالانتماء إلى منظمة إرهابية. وعام 1987، حكمت عليه محكمة فرنسية بالسجن المؤبد، بتهمة التواطؤ في اغتيال شخصين دبلوماسيين على الأراضي الفرنسية. وعلى الرغم من أنه لم يتم إثبات أي دليل قاطع أنه هو المنفّذ، إلا أن خلفيته السياسية ورفضه التعاون مع القضاء الفرنسي لعبا دوراً كبيراً في تثبيت التهمة عليه. لكن الأهم من المحاكمة هو ما تلاها، إذ استوفى عبد الله شروط الإفراج المشروط منذ عام 1999، لكن كل محاولاته للإفراج تمّت عرقلتها بضغط مباشر من الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما جعل من قضيته قضية سياسية بامتياز، لا قضائية فقط.
41 عاماً من المقاومة داخل السجون
طوال 41 عاماً قضاها في سجون فرنسا، لم يغيّر جورج عبد الله موقفه قيد أنملة. لم يُظهر ندماً، لم يطلب الصفح، لم يتنازل عن خطابه السياسي المناهض للصهيونية والإمبريالية. بل ظلّ يكتب من داخل السجن، ويبعث رسائل دورية، ويؤكد أنّ المقاومة ليست إرهاباً بل شرف، وأن الإحتلال هو الجريمة، وأنه لا يطلب حريته بثمن سياسي. تحوّلت زنزانته إلى رمز نضالي عالمي، خصوصاً في أوساط اليسار الأوروبي والحركات المناهضة للعولمة، ونُظمت حوله حملات تضامن واسعة، وخرجت عشرات التظاهرات من باريس إلى بيروت، تطالب بإطلاق سراحه. ومع ذلك، رفضت الدولة الفرنسية الإفراج عنه، حتى بعد صدور قرار قضائي بذلك في 2013.
جورج عبدالله حراً…
عاد جورج عبدالله إلى بيروت بعد أكثر من أربعة عقود قضاها في السجون الفرنسية، في معركة استنزاف سياسية وقضائية. تعاقبت خلالها حكومات، تغيّرت تحالفات، سقطت أنظمة، حضر كثر وغاب كثر، فيما بقي اسمه حاضراً كرمز للمقاومة ورفض الظلم. فخروجه ليس مجرّد نهاية لمسار قضائي طويل، بل محطة تؤكد أن الكرامة والثبات على الموقف يمكن أن يتجاوزا الزمن والحدود. بالنسبة لعبدالله، لم يكن الإعتقال هو القصة، بل الصمود خلفه، والتأكيد على أن الكفاح ضد القهر والإحتلال لا يسقط بالتقادم، بل يتجدّد في كل لحظة يُرفع فيها الصوت دفاعاً عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
