
تسير سوريا الجديدة على طريقٍ طويل للتعافي السياسي، مثقلٍ بإرث النظام الديكتاتوري السابق، وتشوّهات الحرب، والانقسامات الطائفية والمذهبية، والتحديات الأمنية. محطة مفصلية في هذا المسار المرتقب ستكون بين 15 و20 أيلول المقبل، مع إجراء الانتخابات التشريعية الأولى في عهد الإدارة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، الذي أطاح بالرئيس السابق بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024.
منذ تسلّمه السلطة، أصدر الشرع إعلانًا دستوريًا حدّد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، وحلّ مجلس الشعب السابق، تمهيدًا لتشكيل مجلس جديد يمثل السلطة التشريعية مؤقتًا، لمدة 30 شهرًا قابلة للتمديد، ريثما يتم اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات عامة.
وفي خطوة لافتة، نصّ النظام الانتخابي المؤقت الذي صادق عليه الشرع، على رفع عدد أعضاء المجلس من 150 إلى 210، يعيّن الرئيس ثلثهم (70 عضوًا)، مع حصة نسائية لا تقل عن 20%. ورغم أن هذا التوسيع يوصف رسميًا بأنه يهدف لتمثيل أوسع، إلا أن تعيين ثلث الأعضاء مباشرة من قبل الرئيس يثير تساؤلات حول مدى استقلالية المجلس، وتوازن القوى داخله، إذ يُخشى أن يتحوّل هذا التعيين إلى وسيلة لضمان ولاء سياسي دائم للرئيس الانتقالي.
في المقابل، يرى مراقبون أن هذا الإجراء يعكس الواقع السوري المعقّد، في ظل نزوح واسع وفقدان مئات الآلاف لأوراقهم الثبوتية، ما يجعل العملية الانتخابية التقليدية غير ممكنة في كثير من المناطق. وبحسب هؤلاء، فإن تعيين ثلث الأعضاء قد يُستخدم كآلية لتمثيل هذه الشرائح المُهمّشة قسرًا، بفعل الحرب والتوزّع الجغرافي القسري الذي فُرض عليهم خلال السنوات الماضية.
وتبقى الجانب الأكثر إشراقًا في هذا الاستحقاق، هو فتح الباب أمام الرقابة الدولية، وسماح اللجنة العليا للانتخابات بمشاركة منظمات مدنية محلية ودولية لمراقبة العملية الانتخابية، في خطوة وصفت بأنها “اختبار جدّي” لصدقية السلطة الانتقالية، وتحوّل نوعي عن ممارسات النظام السابق، الذي كان يستعيض عن الانتخابات بـ”استفتاءات شكلية” كرّست حكم آل الأسد لعقود.
لكن رغم هذه المؤشرات، تطرح تحديات ميدانية جدية نفسها:
- كيف سيتم الاقتراع في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة الانتقالية؟ مثل السويداء حيث التوترات الطائفية لا تزال متأججة، أو في مناطق قوات سوريا الديمقراطية؟
- وماذا عن النازحين واللاجئين المنتشرين في الداخل والخارج؟
- وهل ستكون الانتخابات ممثّلة فعلًا لجميع مكونات الشعب السوري، أم أنها ستكون مجرد عبور شكلي في طريق طويل وغير مضمون المعالم نحو الديمقراطية؟
في النهاية، تبقى هذه الانتخابات خطوة أولى في «رحلة الألف ميل» نحو إعادة بناء النظام السياسي السوري، لكنها، وإن كانت ضرورية، لا تكفي وحدها لرسم معالم مستقبل حرّ ومستقرّ في بلد أنهكته الديكتاتورية والحرب لعقود.
المصدر:نايف عزار نداء الوطن
