
في أعقاب جلسة الحكومة اللبنانية المنعقدة في 5 آب 2025، والتي قررت وضع جدول زمني واضح لحصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية العام، دخل لبنان فعلياً في مرحلة سياسية دقيقة ومفصلية، عنوانها استعادة الدولة لقرارها السيادي. وقد جاء رد “حزب الله” عبر تصريحات نائبه الشيخ نعيم قاسم، ليؤكد أن الحزب غير مستعد للتسليم بالقرار، ويحاول تعويم أزمة السلاح من خلال افتعال نقاش دستوري غير قائم، بالادعاء أن “المقاومة” جزء من اتفاق الطائف.
اللافت أن قاسم اختار الحديث عن الطائف من زاوية لا تستقيم قانوناً ولا دستوراً. فالاتفاق الذي أنهى الحرب اللبنانية نص صراحة على حلّ الميليشيات كافة دون استثناء، وحصر السلاح بالقوى الشرعية للدولة. وبالتالي، فإن أي محاولة لربط المقاومة باتفاق الطائف لا تعدو كونها محاولة سياسية لإضفاء مشروعية غير موجودة على بقاء السلاح خارج إطار الدولة، وهو ما يشكل في جوهره انقلاباً متمادياً على الطائف، لا امتداداً له.
ما أراد قاسم قوله بصورة غير مباشرة هو أن نزع سلاح الحزب لن يمرّ من دون مقابل سياسي. بمعنى أوضح، فإن الحزب يهدد – وإن بلغة مبطّنة – بتحويل مسار المواجهة من ملف أمني مرتبط بحصرية السلاح إلى ملف سياسي – دستوري عنوانه تغيير النظام أو تعديل موازين السلطة. وهو ما يعيد إلى الأذهان أسلوب رئيس مجلس النواب نبيه بري في التمسك بحقيبة المالية للطائفة الشيعية، استناداً إلى ما يسميه “مناقشات الطائف” وليس إلى نصوصه المكتوبة.
الحزب، على ما يبدو، اختار في هذه المرحلة الابتعاد عن المواجهة الميدانية والشارعية، بعدما بات يدرك أن الظروف الداخلية والدولية تغيرت، وأن أي تحرّك عنفي أو أمني لن يمرّ من دون كلفة مرتفعة، لا سيما أن القوى السياسية اللبنانية، ومعظم الرأي العام، تقف خلف قرار الحكومة، إضافة إلى الغطاء العربي والدولي المتزايد. لذلك، فإن خيار “شراء الوقت” عبر تصعيد الخطاب وربط الأزمة باتفاق الطائف يبدو أقرب إلى تكتيك مرحلي منه إلى خيار استراتيجي.
المفارقة أن حزب الله، في محاولته هذه، يعيد تكرار أخطاء سياسية سابقة، أبرزها عندما رفض قرارات حكومية مشابهة في العام 2008، وانتهى به الأمر إلى اقتحام بيروت في 7 أيار. إلا أن واقع اليوم مختلف. الحزب لم يعد في موقع المبادرة، والمجتمع الدولي لم يعد يتسامح مع بقاء سلاح خارج الدولة، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتفاقمة جنوباً، ووجود ضغوط حقيقية على الدولة اللبنانية لضبط السلاح وتطبيق القرار 1701 بالكامل.
ولم يعد مقنعاً الحديث عن “البيئة المقاومة” أو “الخصوصية اللبنانية” لتبرير هذا السلاح، بعدما تكرست قناعة لبنانية شاملة بأن لا استقرار من دون حصرية السلاح، ولا دولة من دون إنهاء الازدواجية في القرار.
قد لا يعلن الحزب بشكل مباشر أنه يطالب بتعديل الدستور، لكنه من خلال هذا الخطاب يلمّح إلى ربط السلاح بتسويات أكبر، وهو ما قد يُفهم كتحضير لمرحلة تفاوض لاحقة، إما داخلياً عبر الضغط السياسي، أو خارجياً عبر طاولة المفاوضات الإقليمية. لكن الأكيد أن محاولة إدخال لبنان في أزمة نظام، بحجة الدفاع عن “المقاومة”، لن تمرّ بسهولة، بل ستواجه برفض واسع النطاق، داخلياً وخارجياً.
أما السؤال الحقيقي فهو: هل ما يجري اليوم هو قرار منفرد من حزب الله أم نتيجة تنسيق كامل مع الرئيس بري؟ وهل استحضار الطائف هو مقدمة لصياغة مواقف تفاوضية جديدة على قاعدة تبادل السلاح بمكاسب سياسية، أم هو مجرد محاولة لربح الوقت وتفادي الاعتراف بسقوط المشروع المسلح؟
الجواب سيتضح في الأسابيع المقبلة، خصوصاً أن الحكومة تبدو مصمّمة على تطبيق قرارها، والجيش اللبناني بدأ الإعداد للخطة التنفيذية، فيما يترقّب المجتمع الدولي مدى التزام الدولة بتعهداتها السيادية.
الخلاصة أن قرار الحكومة ليس محطة عابرة. بل هو إعلان واضح عن بداية مرحلة جديدة، لن يكون فيها مجال للازدواجية، ولا لفرض أمر واقع بقوة السلاح. وحزب الله، بكل ما يمثل، بات أمام اختبار وجودي: إما العودة إلى الدولة، أو العزلة السياسية الكاملة.
