التحييد أول الطريق: قرار الدولة بالسلاح تمهيد لتحرير لبنان من المحاور

القرار الجريء الذي اتخذه مجلس الوزراء بحصر السلاح بيد الدولة لا يمكن فصله عن سياق سياسي أشمل. إنه ليس خطوة معزولة، بل مقدمة لمسار متكامل يهدف إلى إخراج لبنان من دوامة الصراعات الإقليمية، لا في اتجاه التطبيع مع إسرائيل، بل نحو تحييده عن محاور الصراع، وفي طليعتها محور الممانعة الذي لم يجرّ على لبنان سوى النكبات والتراجع والانهيار.

بحسب ما تُجمع عليه مصادر كنسية وحقوقية في لقاءات مغلقة، فإن هذا القرار يشكّل مدخلًا حقيقيًا لتحويل مطلب تحييد لبنان إلى مشروع وطني جامع، بعيدًا من سجالات الحياد التي اصطدمت مرارًا بعقبات خارجية وداخلية. فبينما يتطلب “الحياد” إجماعًا دوليًا وتشريعات معقّدة، يبدو “التحييد” أكثر قابلية للتطبيق كخيار لبناني توافقي مدعوم إقليميًا ودوليًا.

هذا التوجّه، الذي لطالما دعا إليه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، بدأ يتحوّل إلى خيار سياسي يتقاطع عنده كثير من القوى، من منطلق الحرص على السلم الأهلي، وتوفير مناخ يسمح بإعادة بناء الدولة على قاعدة شراكة وطنية حقيقية خالية من الاستقواء أو الضغوط الخارجية.

ومع انطلاق هذا المسار، من المتوقع أن تترافق الخطوات السياسية مع إصلاحات فعلية تشمل محاسبة التجاوزات السابقة، بما يوفّر الثقة الشعبية اللازمة لبناء مرحلة جديدة. وعندما يشعر اللبنانيون بالأمان السياسي، سيتوجّه التركيز نحو إنقاذ الاقتصاد ومواجهة الأزمة المالية التي أطاحت بكل مقوّمات العيش الكريم، وفاقمت نسب الفقر والبطالة والهجرة وتعطيل الاستثمار.

وفي هذا السياق، تؤكد مصادر اقتصادية أن رؤوس الأموال اللبنانية في الخارج تتجاوز 100 مليار دولار، وتصل إلى نحو 150 مليارًا، وهي عائدة لمستثمرين وأصحاب أعمال غادروا بسبب غياب الحد الأدنى من الاستقرار والثقة. لكن هؤلاء، بحسب المصادر، يبدون استعدادًا للعودة وضخ جزء من استثماراتهم في الداخل، شرط توفير بيئة سياسية وأمنية وقضائية مستقرة.

وتلفت هذه الأوساط إلى أن الاستثمار لا يحتاج بالضرورة إلى بيئة مثالية، بدليل أن اقتصادات غربية كبرى تمر بأزمات، لكن ما يميزها هو وجود مؤسسات وقضاء مستقل وثقة بالقانون. ولهذا، فإن استعادة هيبة القضاء وتحقيق استقلاله جزء أساسي من ضمان عودة الاستثمار والنهوض.

أما على صعيد السياسة الخارجية، فإن تطبيع الأوضاع على الحدود، خصوصًا مع سوريا، والعودة إلى اتفاق الهدنة مع إسرائيل بعد إنجاز ملف الترسيم، يفتح الباب أمام استقرار طويل الأمد يمنع التهريب والاشتباكات، ويمنح الثقة اللازمة لجذب الاستثمارات. وتشير معطيات دبلوماسية إلى استعداد أميركي لمواكبة عملية ترسيم الحدود مع ضمانات فعلية، خاصة في ظل تغيّرات كبيرة في دمشق بعد انتهاء عهد بشار الأسد وصعود نظام الرئيس أحمد الشرع.

المصدر:جومانا زغيب، نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top