
كتب د. عبدالله بارودي
عند كل زيارة او إطلالة اعلامية يبهرنا الشيخ بهاء الحريري بمعلومات وتواريخ ونظريات وأفكار تؤكد ان الرجل إما يفتقد لمن يرشده او يساعده في التحضير والتنسيق والإعداد الجيّد للظهور اللائق أمام الرأي العام.. وإما انه يحاول استغباء الناس والإعتماد على ضعف وتراجع ذاكرتهم بفعل كل ما مرّ عليهم من أحداث وتطورات وضغوطات سياسية وأمنية واقتصادية و اجتماعية..
نقول هذا الكلام.. بعد ان أطلّ علينا السيد بهاء الحريري عبر “تلفزيون لبنان” بمغالطة كبرى أشار فيها الى ان والده -رحمه الله- لم يكن لديه حزبًا سياسيًا ولا مكاتب سياسية في المناطق. لذلك فهو لن يقدم على هذه الخطوة!..
لكن الحقيقة، ان الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يتخذ قرارًا بتأسيس حزبًا سياسيًا مرده الضغط السوري حينها أولًا، وثانيًا عدم “تحجيم” جمهوره العريض بمعنى “حصره” ضمن اطر تنظيمية تحدّ من شموليته وانتشاره على كل الأراضي اللبنانية، وبين مختلف الطوائف والمذاهب.
لكن في المقابل عمد رفيق الحريري ونتيجة ازدياد المطالبات الشعبية وتكرارها في سبيل بلورة صيغة تنظيمية ما، الى نشر مكاتب سياسية له بأغلبية المناطق اللبنانية وتحديدًا ذات الكثافة السكانيّة السنيّة، من طرابلس مع النائب سمير الجسر الى المنية مع المرحوم عمر زريقة والضنية مع أحمد فتفت وعكار مع مصطفى هاشم، وفي الكورة مع راسم الحسن، وفي الاقليم مع الدكتور محمد الحجار، وفي صيدا مع شقيقته بهية الحريري، وفي البقاع، و قصر قريطم في العاصمة بيروت المقرّ الذي استكان فيه الوطن كله لسنوات طويلة!..
و لم يكتفِ الرئيس الشهيد رفيق الحريري بهذا الأمر بل تخطاه حين أعطى في العام 1998 موافقته الصريحة للوزير والنائب السابق سمير الجسر ليؤسس حالة سياسية في الشمال يمكن في حالة نجاحها اعتمادها و تعميمها على باقي المناطق..
وبالفعل، أُطلق اسم “تيار المستقبل” على التنظيم الجديد، وجرى رسم شعار واختيار علم خاص به، ثم وضعت الهيكلية التنظيمية على رأسها مركز المنسق العام في الشمال، مجلس محافظة الشمال، مجالس الأقضية في طرابلس، الكورة، زغرتا، الضنية، المنية، وعكار، وتم تأسيس منسقيات المهن الحرة والنقابات والدوائر في كل قضاء وغيرها..
وللمعلومة، فإن هيكلية حزب “تيار المستقبل” الذي جرى الإعلان عنه لاحقًا في عهد الرئيس سعد الحريري، تطابقت الى حدٍ بعيد مع تنظيم عام 1998 مع بعض الإضافات البسيطة..
وهنا، أودّ ان أسرد حادثة معيّنة علّها تنعش ذاكرة الشيخ بهاء الحريري، ولتأكيد ما ذكرته، لأعود به الى يوم وفاة منسق عام “تيار المستقبل” في المنيه عمر زريقة، حيث أبى الرئيس رفيق الحريري الا ان يشارك في جنازته ووداعه بقلب المنيه مع ناسه وجمهوره، وكان “بهاء” يومها برفقة والده.
وبعد انتهاء مراسم الدفن طلب الرئيس الشهيد من مساعديه ان يغتنم الفرصة و يجتمع مع قيادة التيار وشخصياته في الشمال على الغداء في دارة نجله الأكبر “بهاء” بطرابلس تحديدًا !..
فترة زمنية أساسية في حياة “القلعة الزرقاء” حاول الشيخ بهاء الحريري “طمسها” لأسباب خاصة به، لكنها في المقابل، تعطينا تصوّرًا عن استراتيجته السياسية والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال ان تطمئن بيئته او تعوّض ما فاتهم او ما يتطلعون اليه في المستقبل..
المشكلة الأساسية مع هذا الرجل انك لا تعلم ماذا يريد؟، والى ماذا يتطلع؟، وما هي خططه المستقبلية؟، وماذا يدور في ذهنه ومخيّلته؟..
“الحريرية السياسية” ليست ارثًا عقاريًا ولا ماليًا ولا عينيًا ينتقل من شخص الى آخر ضمن العائلة الواحدة..
“الحريرية السياسية” منظومة متكاملة بحجم وطن، تشكّلت نتيجة تراكم التجارب السياسية والأمنية والإقتصادية، وتعمّدت بجهود رجال و سيدات وشباب وشابات أفنوا حياتهم ونذروا أنفسهم في سبيل المحافظة على هذا الخط الوطنيّ والعروبيّ.
والسبيل الوحيد لأي شخص أراد تزعّم هذا المسار ان ينال رضى وموافقة وتنازل كل فرد شارك في اعلاء شأن هذه المنظومة، وهم بعشرات لا بل بمئات الآلاف وعلى رأسهم الرئيس سعد الحريري.
فهل يمكن لبهاء الحريري الإستحصال على ما تقدّم؟.. لأنه عندها فقط يصبح مؤهلًا لقيادة “للحريرية السياسية”..
“بهاء” يعلم تمامًا ان الوصول لهذا الهدف بعيد المنال، فزمن المعجزات ولّى.. ولن يعود !!..
