
بقلم رنا سلما
في مشهد سياسي مشحون بالتوترات الداخلية والرسائل الإقليمية، أعاد خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم، بعد يومين على زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بيروت، فتح ملف السلاح من بوابة التصعيد الرمزي والديني. فإستحضار “كربلاء” كمفردة مواجهة مصيرية، ترافق مع مؤشرات على سعي طهران لإعادة تثبيت نفوذها في لبنان، فيما تبدو الحكومة اللبنانية ماضية في خيار حصر السلاح بيد الدولة. تتهيأ البلاد لاختبارات حاسمة قد تحدد مسارها بين تثبيت السيادة أو الانزلاق مجددًا إلى دوامة المحاور والصراعات، في ظل واقع اقتصادي هش ومخاطر أمنية لا تحتمل أي خطأ.
يؤكد الأستاذ الجامعي والناشط السياسي الدكتور علي مراد أن ما صدر عن الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم، بعد لقائه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، يمثل تصعيدًا مقلقًا داخليًا وخارجيًا، ويتجاهل تمامًا المصلحة الوطنية ووحدة المؤسسات، ويهدد السلم الأهلي في خدمة أجندة إقليمية ومصالح حزبية ضيقة”.
ويعتبر مراد أن “هذا النهج يضر بلبنان ككل، ويضرب قضية الجنوب وإعادة الإعمار، بدل أن يوحّد اللبنانيين خلف دولتهم لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وإطلاق ورشة إعادة البناء”.
ويشدد مراد على أن قرار الحكومة بحصرية السلاح بيد الدولة هو خطوة منسجمة تمامًا مع اتفاق الطائف، والبيان الوزاري، وخطاب القسم، وقرار وقف إطلاق النار الذي فاوض ووافق عليه الحزب نفسه، وأنه يفتح الباب أمام مسار متكامل لإزالة الاحتلال من النقاط الخمس، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية براً وبحراً وجواً وإنهاء عمليات المسيرات والاغتيالات، وضمان عودة آمنة لأهالي الجنوب إلى قراهم، وإعادة إعمار القرى الأمامية وبيوت أهل الجنوب والضاحية والبقاع، ودعم الجيش اللبناني بمليار دولار سنويًا، وترسيم الحدود الدولية مع إسرائيل حتى خط الهدنة لعام 1949، وترسيم الحدود البرية والبحرية مع سوريا وحل مشكلة مزارع شبعا.”
ويوضح أن الاحتفاظ بالسلاح خارج سلطة الدولة لم يعد له أي مبرر سوى تكريس التبعية لإيران والدفاع عن المصالح السياسية الضيقة داخليًا. فبعدما فشل هذا السلاح في حماية لبنان، القضية الحقيقية اليوم ليست كيف نحافظ على هذا السلاح، بل كيف نحمي البلد وننهي زمن السلاح الموازي للدولة”.
ويضيف أن “لجوء الحزب إلى الرمزية الطائفية ومحاولة حصر معركة السلاح في الإطار الشيعي هو خيار انتحاري ومدمّر للبنان، خاصة أن إيران نفسها تتصرف ببراغماتية وتسعى لترميم تحالفاتها، بينما الخطاب الحالي يعيد إدخال لبنان في لعبة المحاور على حساب مصلحته الوطنية، متجاهلًا حجم المخاطر الإسرائيلية”.
ويختم مراد بالتأكيد أن “الدولة حين تفرض سيادتها لا تهدد السلم الأهلي، بل من يرفض هذا المسار هو الذي يهدده، مشددًا على أن مسار الحكومة يحظى بشرعية وطنية ودستورية كاملة، ويجب استكماله بدعم عربي ودولي لإنهاء الاحتلال، ووقف الاعتداءات، وتأمين إعادة الإعمار.
من جهة أخرى يقول رئيس “ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين” جاد الأخوي ان “التصريحات الإيرانية، وزيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وتهديدات الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم تُظهر محاولة واضحة لإعادة تثبيت النفوذ الإيراني في لبنان، ورفع سقف الخطاب دفاعًا عن سلاح “حزب الله”. هذه التطورات تحمل رسائل ردع وضغط أكثر مما هي خطة فورية لصدام داخلي، لكنها في الوقت نفسه تغذّي الانقسام السياسي والطائفي وتزيد مستوى التوتر. الخطر على السلم الأهلي ليس آنياً، لكنه قائم إذا ترافق هذا التصعيد الكلامي مع حادث أمني كبير أو تحركات ميدانية غير منضبطة، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والأمني”.
يضيف الأخوي ان “استخدام تعبير “كربلاء” في سياق التهديد ليس عفوياً، بل يحمل شحنة رمزية ودينية وسياسية قوية في الوجدان الشيعي على 3 مستويات، الرمزية الدينية، البعد التعبوي، والبعد السياسي المعاصر الذي يوحي بأن الوضع الحالي يُعتبر تهديداً وجودياً ل”حزب الله” ومحوره، وبالتالي يستدعي “الموقف الكربلائي” أي الاستعداد للمواجهة حتى النهاية. كما ان الرسالة الضمنية للخصوم: “نحن في معركة مصيرية ولن نتراجع”. بإختصار، الرمزية هنا أداة لشرعنة التصعيد وربطه بتاريخ مقدّس لدى جمهور الحزب، بحيث يتحوّل الصراع السياسي إلى “معركة عقائدية” يصعب التنازل فيها.”
ويعتبر الأخوي “حتى الآن، يبدو ان الحكومة اللبنانية حسمت مسألة حصرية السلاح بيد الدولة بشكل عملي وملزم، بعد الخامس من آب. فالواقع السياسي يشير إلى أن: هناك إجماع على أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة، وننتظر آلية التنفيذ في ظل ضغوط داخلية و خارجية متشابكة تمنع ترجمة ذلك إلى خطوات ميدانية.
كما أن التوازنات الطائفية والحزبية، إضافةً إلى النفوذ الإيراني، تجعل أي قرار عملي بانتزاع السلاح محفوفًا بالمخاطر. أما إذا حصل تراجع فسيكون ذلك بمثابة إقرار رسمي بواقع “ازدواجية السلاح”، أي استمرار “حزب الله” في الاحتفاظ بسلاحه مع شرعنة ضمنية لهذا الوضع، وسينعكس سلبًا على هيبة الدولة، ويعزز فكرة أن القرارات السيادية تُصنع خارج المؤسسات الرسمية.وبالتالي سيؤدي إلى إحباط داخلي، ويضعف ثقة الشارع والمجتمع الدولي بقدرة الحكومة على فرض سيادتها”.
ويصرّح الأخوي انه “وفقًا لمعلومات أفاد بها مصدر فإن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، ستحمل مجموعة واسعة من المقترحات الأميركية التي تعالج عدّة ملفات لبنانية شائكة وحساسة، منها:
مطلب السيطرة الحصرية للدولة على السلاح، موجه بشكل خاص نحو سلاح “حزب الله” والمخيمات الفلسطينية.
إصلاحات وطنية، تُتبع بخطط لإعادة الإعمار بعد الأزمة.
التطرّق إلى تحديد الحدود الرسمية. معالجة أوضاع اللاجئين السوريين والفلسطينيين.
احتمال التطبيع نحو إسرائيل عبر اتفاقيات سلام.
إعادة هيكلة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أو استبدالها بجيش جديد وفق إطار لجنة مراقبة الهدنة”.
يتابع الأخوي أن “هذه المقترحات تعني رفع سقف المطالب الأميركية عبر جدول زمني محدد لتنفيذها، مع تلميحات إلى وجود تبعات في حال عدم الامتثال. كما التركيز على حصر السلاح بيد الدولة، وهو محور حساس جدًا لواقع لبنان السياسي والأمني. إضافة إلى فتح الباب لإجراءات إصلاحية ضاغطة تشمل تعديلات جوهرية في ملفات اللاجئين والحدود. ومناقشة خيار التطبيع مع إسرائيل، الذي يُعد ملفًّا معقدًا وله أبعاد داخلية وإقليمية. واستهداف آلية عمل اليونيفيل، والذي قد يعني خطوات تصعيدية أو تغيير في البنية الأمنية الدولية في الجنوب”.
يعتبر الأخوي أن “خطر اندلاع الحرب مجددًا موجود لكنه ليس حتميًا في المرحلة الحالية”, ويعدّد العوامل التي تدفع نحو الحرب فهي التصعيد الكلامي من “حزب الله” وقياداته، مع رسائل إيرانية مباشرة عبر الزيارات والتصريحات. وضغط أميركي وخليجي متزايد لحصر السلاح بيد الدولة، ما قد يُفسَّر من قبل الحزب كمحاولة “كسر إرادة”. وهشاشة الوضع الداخلي اللبناني، حيث ان أي حادث أمني أو اغتيال أو احتكاك على الحدود قد يشعل مواجهة واسعة. أما العوامل التي تكبح الحرب فهي إدراك جميع الأطراف، محليًا وإقليميًا، أن حربًا شاملة ستكون كارثية اقتصاديًا وسياسيًا، خاصة في ظلّ الانهيار المالي اللبناني. وانشغال إيران و”حزب الله” بملفات إقليمية أخرى، ما يجعلهم يفضلون إدارة الصراع على تفجيره. ووجود وساطات دولية ومحلية تحاول تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار.
في النهاية المرحلة الحالية أقرب إلى حرب أعصاب ورسائل قوة منها إلى مواجهة مفتوحة. لكن، في بيئة متوترة ومشحونة كهذه، يكفي خطأ أو حادث غير محسوب لتتحول الأمور بسرعة إلى صدام عسكري”.
