
يتّجه المشهد في الجنوب السوري نحو مزيد من التعقيد، بعد المواجهات الدامية في محافظة السويداء وانقطاع طريق دمشق – الجنوب. في ظل انعدام الثقة وارتفاع وتيرة الانتهاكات الموثقة بمئات المقاطع المصوّرة، عاد الحديث عن فتح ممرّ إنساني عبر الجولان عقب اجتماع باريس الأخير الذي جمع مسؤولين سوريين وإسرائيليين برعاية أميركية.
في هذا الوقت، تحتدم المواجهة بين إسرائيل وتركيا حول من يمسك بزمام النفوذ في المنطقة، فيما تدفع تل أبيب نحو إقامة منطقة عازلة على حدودها الجنوبية. على الخطّ نفسه، يُعيد الطموح الروسي إحياء مساعي موسكو للعب دور “شرطي الحدود” مجددًا، كما كانت تفعل سابقاً.
زيارة وزيري الدفاع والخارجية السوريين إلى موسكو خلال أحداث السويداء شكّلت، وفق ما يرى الخبير بالشأن الروسي الدكتور خالد العزي، محاولة من موسكو لإعادة ترتيب أوراقها في سوريا. روسيا، التي تراجعت مكانتها على الساحة السورية، تريد استعادة دورها القديم عبر البوابة الجنوبية، خاصة في السويداء ودرعا، وإن كان طريق العودة يبدو صعبًا ومعقّدًا.
العزي لفت في حديثه لـmtv إلى أن الروس عرضوا التعاون مع الإدارة السورية الجديدة، لكنهم لا يملكون ورقة قوة حقيقية، خصوصًا مع رفض موسكو سابقًا للمعارضة السورية وتعاملها معها كعدو، ودعمها اللامحدود لنظام الأسد.
وأشار إلى أهمية قاعدة حميميم الروسية، التي تمثّل آخر موطئ قدم لموسكو في “المياه الدافئة”، مؤكدًا أن روسيا لن تغادر القاعدة بسهولة، لكنها ليست لاعبًا أساسياً اليوم في معادلة سوريا الجديدة.
ويكشف العزي أن روسيا وجّهت دعوة للرئيس السوري الجديد أحمد الشرع لحضور المؤتمر العربي الروسي في 15 تشرين الأول، لكنه يرجّح عدم تلبية الدعوة، في ظل مطالب واضحة من الشرع تتضمن تسليم بشار الأسد ومحاكمة رموز النظام واستعادة الأموال المنهوبة.
أما عن إمكانية عودة روسيا إلى الجنوب، وخاصة إلى السويداء، فيقول العزي: “ذلك لن يحدث دون توافق أميركي – عربي – سوري، والتجربة الروسية في سوريا كانت فاشلة”. ويضيف أن الشرع يحاول اللعب على حبال متعددة، مستفيدًا من علاقات بوتين بنتنياهو، بهدف منع تركيا من التمدّد في الجنوب، خاصة أن أنقرة تُعتبر الداعم الرئيسي للشرع.
ويضع العزي خارطة ضغط ثلاثية على إسرائيل:
- من خلال أذربيجان، الحليف الإسلامي الأبرز لإسرائيل وصاحبة النفوذ العسكري داخلها.
- من خلال روسيا، التي قد تُعيد التوازن عبر دعم الجيش السوري اقتصاديًا وعسكريًا ومنافسة الغاز الأذري في المنطقة.
- من خلال واشنطن، الضامن الأهم الذي يرفض أي تقسيم في سوريا ويؤكد على وحدة أراضيها، مدعومًا بموقف تركي وعربي مماثل.
رغم ذلك، يبقى التشكيك سيد الموقف. فبحسب العزي، لا عودة قريبة لا لروسيا ولا لأميركا إلى السويداء، إلا أن طريق السويداء – دمشق سيُعاد فتحه قريبًا. ويبقى التحدّي الأكبر في ترميم العلاقة بين الجنوب والدولة المركزية بعد الأحداث الأخيرة.
ويبقى السؤال: هل ستتمكن دمشق من فرض سلطتها مجددًا؟ وهل ستقبل إسرائيل بوجود تركي عند حدودها؟ وهل يكون الروس، أخيرًا، هم الضامن الذي يضبط هذا الصراع المعقّد بين أنقرة وتل أبيب على أرضٍ سوريّة مشتعلة؟
