بين مشروع الدولة ومشروع الميليشيا: لبنان بين السعودية وإيران

يعود “حزب الله” مجددًا إلى شنّ حملة تحريضية ضد المملكة العربية السعودية، كما درجت العادة في محطات مفصلية عدّة. وهذه الحملات، التي لا تنفصل عن سياسات المحور الإيراني في المنطقة، تأتي كردّ فعل على المواقف السعودية الداعمة لسيادة لبنان واستقلاله، ورفضها الوصاية الخارجية على قراره الوطني.

بالنسبة لـ”حزب الله”، فإن أي دعم خارجي للدولة اللبنانية، لا يمر عبره أو عبر مرجعيته الإيرانية، يشكل تهديدًا مباشرًا لمشروعه وسلطته. ولذلك يسعى إلى التشويش على الدور السعودي، ومحاولة قطع الطريق على أي مسعى لتعزيز سلطة الدولة، بهدف إبقاء لبنان ساحة نفوذ لإيران، لا دولة مكتملة السيادة.

إيران تريد الساحة… السعودية تريد الدولة

السؤال الجوهري الذي يعكس طبيعة الصراع على لبنان هو: ماذا تريد إيران من لبنان؟ وماذا تريد السعودية؟

  • إيران تريد إبقاء لبنان ساحة مفتوحة ضمن مشروعها التوسعي في الإقليم، عبر تمويل وتسليح ميليشيا مسلّحة خارجة عن الدولة، بما يمنع قيام مؤسسات فعلية، ويبقي القرار السيادي في بيروت مرتهنًا لطهران، ويغرق البلاد في الحروب والفوضى.
  • أما السعودية، فمنذ توقيع اتفاق الطائف عام 1989، كانت في طليعة الداعمين لاستقرار لبنان ومؤسساته، من خلال دعم الدولة وليس أي ميليشيا، وفي إطار رؤية تسعى إلى استعادة لبنان لدوره العربي وحياده واستقراره السياسي والاقتصادي.

“حزب الله” وإجهاض فرص بناء الدولة

منذ عام 1991، كان يُفترض أن يسلم “حزب الله” سلاحه، أسوة ببقية الميليشيات، تنفيذًا لـ”الطائف”. لكنه تمسك بسلاحه تحت ذريعة “المقاومة”، ليُجهض بذلك أربع فرص مفصلية كانت كفيلة بإعادة لبنان إلى الدولة الطبيعية:

  1. تنفيذ اتفاق الطائف بعد نهاية الحرب.
  2. تسليم السلاح بعد الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000.
  3. الانخراط في الدولة بعد انسحاب الجيش السوري عام 2005.
  4. تطبيق القرار 1701 بعد حرب 2006.

ومع انكشاف عجز سلاح “حزب الله” في مواجهة إسرائيل، خصوصًا بعد اندلاع “طوفان الأقصى”، تبيّن أن وظيفة هذا السلاح ليست حماية لبنان، بل منع بناء الدولة، وتحويل البلد إلى ذراع أمنية ضمن المشروع الإيراني.

والمفارقة أن الحزب اضطر إلى التوقيع، في تشرين الثاني 2024، على تفاهم غير معلن يُقيد تحركاته، ويمنح إسرائيل هامش استهدافه أمنيًا وعسكريًا. ومع سقوط نظام الأسد وتقلص خطوط الإمداد، لم يعد الحزب يملك نفس الحاضنة التي وفرت له الغطاء خلال العقود الماضية.

دولة تقاوم… لا مقاومة تحكم

تبلورت فرصة لبنانية جديدة في 5 آب 2025، حين اتخذت الحكومة قرارها بنزع السلاح غير الشرعي، وبدأت بوضع خطوات تنفيذية لإعادة الاعتبار لاتفاق الطائف. ومع تغيّر موازين القوى شعبيًا ووطنيًا وسياسيًا، أصبح “حزب الله” محاصرًا ومعزولًا، من دون حلفاء وازنين في الطوائف غير الشيعية.

الرياض… شريك استقرار لا طرف صراع

أما المملكة العربية السعودية، فهي لم تسعَ يومًا لخلق نفوذ ميليشيوي في لبنان، بل وضعت كل دعمها في خدمة الدولة. دعمها السياسي والمالي، خصوصًا بعد انتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة نواف سلام، لعب دورًا حاسمًا في إعادة إطلاق مؤسسات الدولة، وبداية مسار إصلاحي بات ملحًّا بعد عقود من التراجع والانهيار.

السعودية تريد للبنان أن يكون دولة طبيعية، ذات سيادة وقرار مستقل، تعيش مؤسساتها تحت سقف الدستور والوفاق الوطني، لا تحت سطوة السلاح غير الشرعي.

لبنان بحاجة إلى أصدقائه

لا يمكن للبنان أن ينهض من أزماته المتراكمة من دون دعم أصدقائه في العالم العربي والدولي، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية. فالدور السعودي، المتوازن والهادف، يمثل ركيزة أساسية في إعادة التوازن إلى الداخل اللبناني، وتصحيح المسار الذي انحرف لعقود بسبب التدخلات الخارجية.

من هنا، يأتي الامتنان الشعبي والسياسي لدور المملكة، لا كطرف في صراع، بل كراعٍ لاستقرار لبنان واستعادة دولته

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top