
يستمر “حزب الله”، بالتوازي مع الموقف الإيراني، في توجيه انتقادات حادة إلى الورقة الأميركية التي تهدف إلى إنهاء تداعيات حرب “الإسناد” التي شنها الحزب ضد إسرائيل، وتسببت في دمار واسع في البلدات والقرى الجنوبية ومناطق لبنانية أخرى، كما أدت إلى إعادة احتلال إسرائيلي لمواقع استراتيجية جنوبية. هذه الورقة، وبعد أن أدخل الرؤساء الثلاثة تعديلات عليها لتتلاءم مع المصلحة اللبنانية، باتت تحظى باهتمام رسمي واسع، لا سيما أن الحكومة وافقت على بندها الأول المتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، بما يشمل سلاح “حزب الله”. غير أن الحزب يعتبر هذا البند بمثابة “خطيئة” ويرفض تنفيذه وفقاً لمبدأ “خطوة مقابل خطوة”، معتبراً أن الورقة الأميركية تصبّ في النهاية في مصلحة إسرائيل.
لكن رغم هذا الرفض، لم يقدّم الحزب أي بديل منطقي أو عملي للورقة الأميركية، من شأنه أن يخرج لبنان من الأزمة الحالية التي تسبب بها نتيجة اندلاع الحرب مع إسرائيل. وبدلاً من ذلك، عاد الحزب إلى الترويج لصيغة “الجيش والشعب والمقاومة”، وهي معادلة تعتبرها غالبية القوى اللبنانية قديمة وغير صالحة للمرحلة الحالية، بعدما فشلت في تأمين الحماية للبنان وأدت إلى خسارة “حزب الله” بشكل واضح، الأمر الذي دفعه إلى طرح “الاستراتيجية الدفاعية” كبديل عن مطلب نزع السلاح.
المناورات والتهديدات التي يعتمدها الحزب لم تعد كافية لمنع الدولة من تنفيذ قرارها، خصوصاً بعد أن بات الحزب يدور في حلقة مغلقة نتيجة الضربة الكبيرة التي تلقاها في حرب “الإسناد”، وعجزه عن تغيير المعادلة أو فرض وقائع جديدة على الأرض. وهو يعلم تماماً أن مرحلة الاحتفاظ بسلاحه خارج إطار الشرعية باتت من الماضي، حتى وإن تمكن من تعطيل تنفيذ الورقة أو عرقلتها مؤقتاً، فإن النتيجة ستكون استمرار الاحتلال الإسرائيلي للمواقع الجنوبية، وتواصل الاعتداءات والاغتيالات والقصف، دون أن يردع إسرائيل أي توازن أو تهديد فعلي.
في هذا السياق، تبقى الورقة الأميركية، التي تحظى بدعم الدولة اللبنانية ومتابعة حثيثة منها، السبيل الوحيد الواقعي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، ومعالجة تداعيات الحرب، ولا سيما في ما يتعلق بإعادة إعمار المناطق المتضررة. فالولايات المتحدة وحدها تملك القدرة على ممارسة الضغط على إسرائيل لحملها على الالتزام بتطبيق بنود الورقة، في حين تبدو كل الطروحات الأخرى، خصوصاً تلك التي تصدر عن “حزب الله” وإيران، غير واقعية أو قابلة للتطبيق في ظل التوسع الإسرائيلي وغياب أي بديل جدي ومؤثر.
من هنا، فإن التسريع في تنفيذ بنود الورقة الأميركية يفتح الباب أمام تحرير الأراضي المحتلة، ويطلق يد الدولة اللبنانية للشروع في إعادة الإعمار وعودة السكان إلى أرضهم. أما التباطؤ في التنفيذ، سواء بسبب الخلاف على نزع سلاح الحزب أو غيره من الأسباب، فسيُبقي الاحتلال قائماً، ويُعيق جهود التعافي الوطني، ويمنح إسرائيل مزيداً من الوقت لتعزيز مكاسبها، وهو ما يصب في نهاية المطاف في مصلحة أعداء لبنان وأولئك الذين يريدون استمرار أزماته وتعطيل نهوضه.
المصدر:معروف الداعوق ،اللواء
