
أنهت قرارات مجلس الوزراء الأخيرة مساراً خطابياً امتد لأكثر من 35 عاماً، شكّل غطاءً رسمياً لبقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة، انسجاماً مع تحولات النفوذ الإقليمي والدولي في لبنان. فمنذ مرحلة الوصاية السورية في عهدَي الأسد الأب والابن، مروراً بانتقال مركز الثقل إلى طهران، تغيّرت الصياغات الرسمية من «شرعي وضروري وموقت» إلى «الجيش والشعب والمقاومة»، وصولاً إلى «الأمن القومي»، فيما بقي السلاح خارج إطار الدولة يتكيّف مع المراحل ويتأقلم مع الموازين.
الوزير السابق حسن منيمنة يوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ اتفاق الطائف نص بوضوح على حلّ الميليشيات ونزع سلاحها، لكنه استُثني سلاح حزب الله بذريعة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. هذا الاستثناء أوجد واقعاً مزدوجاً: دولة تستعيد مؤسساتها وحزب يحتفظ بسلاحه بغطاء سوري – إيراني ودعم شعبي في الجنوب. النائب السابق فارس سعيد يضيف أنّ الشعارات التي رُفعت منذ التسعينات، من «شعب واحد في بلدين» إلى «الاستراتيجية الدفاعية»، كرّست هذا الاستثناء، فيما جاء توصيف رفيق الحريري للوجود السوري بـ«شرعي وضروري وموقت» ليعكس واقع التبعية للقرار السوري في تلك المرحلة.
تحرير الجنوب عام 2000 لم يُترجم بإسقاط مبرّر السلاح، بل تحوّل إلى فرصة لتوسّع الحزب داخل المؤسسات. ثم بعد اغتيال الحريري وخروج الجيش السوري عام 2005، انفجر الانقسام الداخلي، لكن الحكومات المتعاقبة كرّست في بياناتها الوزارية معادلة «الجيش والشعب والمقاومة»، ما منح الحزب شرعية مزدوجة: قوة عسكرية مستقلة وركيزة في التوازنات السياسية والدستورية. اتفاق الدوحة عام 2008 عزّز هذا الواقع عبر صيغة «الثلث المعطّل»، فيما جرى استخدام شعار «الاستراتيجية الدفاعية» لتأجيل النقاش حول السلاح.
اندلاع الحرب السورية شكّل محطة فارقة، إذ انتقل الحزب من قوة محلية تُبرَّر سلاحها بمواجهة إسرائيل، إلى قوة إقليمية تقاتل دفاعاً عن النظام السوري وتحت المظلة الإيرانية. ومع كل ذلك، ظلّ الخطاب الرسمي يكرر معادلات قديمة، بينما الواقع تغيّر جذرياً.
أما الحرب الأخيرة مع إسرائيل، فقد أظهرت حدود خطاب «الحماية»، بعدما تسببت بتدمير واسع في الجنوب وأضرار في مناطق أخرى، من دون أن تحقق الأهداف المعلنة. وهنا يرى منيمنة أنّ السلاح تحوّل إلى أداة نفوذ داخلي وخدمة أجندات إقليمية أكثر من كونه وسيلة للدفاع عن لبنان. في المقابل، يلفت سعيد إلى أنّ الخطاب الرسمي بات اليوم يتحدث عن «بسط سيادة الدولة بقواها الذاتية»، وهو مصطلح حلّ تدريجياً مكان «الاستراتيجية الدفاعية»، لتظهر تعبيرات جديدة مثل «الأمن القومي».
وبذلك، يتضح أنّ كل المفردات التي استُخدمت منذ أوائل التسعينات حتى اليوم لم تكن سوى انعكاس مباشر للظروف الإقليمية والدولية، فيما بقي جوهر المسألة – أي السلاح خارج الدولة – على حاله
