
تُظهر المحاولة الإسرائيلية لاستهداف قيادات “حماس” خارج غزة — وبالأخص في عاصمة محايدة مثل الدوحة — تحولاً جوهرياً في قواعد المواجهة. فاستهداف قادة الحركة في طهران أو دمشق أو صنعاء أو بيروت يندرج في منطق المواجهة المفتوحة مع محور الممانعة، لكن الضرب في الدوحة يطرح إشكالات أعمق لأن الدوحة تُعتبر طرفاً محايداً لعب دور الوساطة وحل النزاعات.
من الواضح أن تل أبيب كانت تَعي نتائج هذه العملية من حيث العاصفة الدولية للادانات التي ستتعرض لها؛ لكنها اختارت المضي قدماً، ما يدلّ على أن سياستها لا تقتصر على إخراج “حماس” من غزة بل تتجه نحو استئصال تأثيرها عبر الحدود. التخطيط الدقيق للعملية، وإقرار إسرائيل بها سريعاً، يعكسان أن المواجهة معها أصبحت عابرة للدول والعواصم.
ثلاثة رسائل بدت واضحة من هذه العملية: أولاً، أن قادة الحركة ليسوا بأمان في أي مكان؛ ثانياً، أن إسرائيل تضع رأس قيادة “حماس” ضمن أولويات أهدافها؛ وثالثاً، أن المآل ليس تسوية بل سعي إلى سحق الحركة داخل وخارج غزة.
سبق ذلك استهداف قيادات حوثية في صنعاء، ما يؤكد أن إسرائيل لا تميز عملياً بين الأجنحة السياسية والعسكرية لأذرع إيران، بل تستهدفهما معاً. وهذا يجعل المواجهة بلا خطوط حمر ويعكس غطاءً غربيًا ــ على الأقل دولياً ــ يسهّل عملياً توجيه ضربات ضد أذرع محور الممانعة في دول مختلفة.
النتيجة العملية لذلك أن إطالة أمد الحرب تصبّ في مصلحة إسرائيل سياسياً واستراتيجياً: زعيمها السياسي يبقى في موقع المبادرة، بينما تبقى قوى الممانعة في مواضع رد الفعل وخسارة القيادات. كما أن الضربات عبر عواصم محايدة تُظهر ازدواجية في مواقف المجتمع الدولي، إذ تُستنكر عندما تستهدف عاصمة مثل الدوحة لكن لم تندد بنفس الشدة عندما طالت ضربات مماثلة دولاً أخرى.
أمّا الدرس الأهم للبيئة اللبنانية وخصوصاً لـ”حزب الله”، فهو أن سلاحه لا يمنح ضمانة لحماية قياداته من الاغتيال خارجياً. لذا فإن التمسك بالسلاح كخط أمني قد يعرض القيادة السياسية للمزيد من المخاطر، ويقيد قدرة الحركة على العمل السياسي العلني والمشاركة البرلمانية. وبهذا المعنى، قد تتحوّل قدرة الحزب على البقاء السياسي إلى هدف يُستغل سياسيًا وعسكريًا لشلّ دوره ومواقفه داخلياً وخارجياً.
الخلاصة: تحول قواعد الاشتباك عبر استهداف قيادات في عواصم محايدة يضاعف الضغوط على أذرع محور الممانعة، ويطرَح تساؤلات استراتيجية حول كيفية حماية القيادة السياسية للمجموعات المسلحة وسبل إنقاذ الفعل السياسي من أن يصبح رهينة الصراع العسكري
المصدر: شارل جبور ، نداء الوطن
