لبنان بين تهدئة بري وتصعيد حزب الله: صراع الأولويات والأمن الوطني

في المشهد اللبناني الحالي، يظهر تعارض واضح بين مساعي رئيس مجلس النواب نبيه بري لخفض التوتر والحفاظ على البلاد ضمن دائرة الممكن عبر التركيز على الأولويات الداخلية، وبين خطاب «حزب الله» الذي ينحو إلى تصعيد واضح، خصوصًا من خلال تصريحات الشيخ نعيم قاسم والنائب محمد رعد، حيث يبدو الحزب مستمراً في فائض المواقف بعد أن تعطل فائض قوته في ظل موازنات إقليمية ودولية متغيرة.

يرى بري أن الحل يبدأ بحماية ما تبقى من بنى الدولة واستعادة ما يمكن إنقاذه من دورة الحياة السياسية والاقتصادية، بينما يربط «حزب الله» النقاشات الداخلية بمفهوم أوسع للأمن الوطني والمقاومة، ما يجعل الحوار حول حصرية السلاح أو تثبيت سلطة الدولة الكاملة مشروطاً بسياقات إقليمية أكبر لا يملك لبنان وحده التحكم بها.

ويشكل خطاب الشيخ نعيم قاسم الأخير مثالاً صارخاً لهذا التوجه، إذ أغلق الباب أمام أي حديث عن حصر السلاح بيد الدولة خارج إطار استراتيجية وطنية شاملة، محذراً من مشروع «إسرائيل الكبرى» الذي يمتد إلى المنطقة بأسرها. في المقابل، يقدم بري نفسه كضامن للحوار الداخلي ومخرج من نفق الفتنة، بينما يربط الحزب الساحة اللبنانية بالعدوان الإسرائيلي على قطر والمعادلات الإقليمية التي يرى أنها تهدد الدول العربية نفسها.

ويكشف هذا التباين بين بري وحزب الله عن اختلاف الأولويات: فالأول يركز على وقف الانقسام الداخلي وحماية المؤسسات، فيما يركز الحزب على تعزيز جبهة المواجهة مع إسرائيل على امتداد المنطقة، واضعاً الداخل اللبناني في مرتبة تابعة لهذه المواجهة.

ويتجاوز التعارض المستوى الخطابي ليصل إلى صميم الصراع السياسي حول مستقبل الدولة، إذ يرى بري أن إعادة بناء الثقة الداخلية تدريجياً يمكن أن تشكل أرضية لإنقاذ الاقتصاد ومنع عزلة لبنان، بينما يصر حزب الله على أن استقرار الداخل لا يتحقق إلا بالاحتفاظ بعناصر القوة العسكرية وحق القرار الاستراتيجي في الحرب والسلم. وبذلك يتحول النقاش حول القرارات الحكومية الأخيرة إلى ساحة تجاذب بين من يعتبرها خرقاً للميثاقية مثل الحزب، ومن يتعامل معها كخطوة لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة.

ويشير المشهد إلى أن فائض القوة الذي كان يمتلكه حزب الله نتيجة تفوقه العسكري والإقليمي بدأ يتآكل أمام التطورات المتسارعة: من تراجع توازن الردع على الحدود الجنوبية، إلى الانكشاف الاقتصادي الداخلي، وتغير أولويات الحلفاء الدوليين والإقليميين. وهذا ما دفع الحزب إلى التصعيد الخطابي لتعويض محدودية قدرته على تغيير المعادلات على الأرض، في حين يحاول بري توفير متنفس سياسي يقي البلاد الانزلاق إلى صدامات داخلية أو عقوبات إضافية.

ورغم التحالف التاريخي بين بري والحزب، يبرز الاختلاف في الأولويات: فبري يسعى إلى تسوية داخلية تحفظ موقع الشيعة في الدولة عبر إعادة انتظام المؤسسات، فيما يسعى الحزب إلى تكريس معادلة «المقاومة – الجيش – الشعب» كشرط مسبق لأي نقاش حول مستقبل الدولة. وبين هذين المسارين، يبقى لبنان عالقاً بين مقاربة تهدف إلى إطفاء الحرائق الداخلية وأخرى تواصل صب الزيت على نار المواجهة الإقليمية، في وقت لم يعد يحتمل مزيداً من التوتر.

وتبقى النتيجة أن البلاد أمام خيارين متوازيين: السير خلف مقاربة بري التي تراهن على تهدئة تنقذ ما تبقى من الدولة وتفتح نافذة أمل للتسويات، أو البقاء في مدار خطاب حزب الله الذي يربط الحلول الداخلية بمعادلة مواجهة مفتوحة تتجاوز الحدود اللبنانية، فيما يظل لبنان حتى الآن عاجزاً عن صياغة تسوية تؤكد على الدولة كمرجعية وحيدة

المصدر: داود رمال- نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top