لماذا احتفظت اسرائيل بحزب الله حياً… حتى اللحظة المناسبة؟

بقلم رفيق عبدالله- ديموقراطيا نيوز

منذ حرب تموز/يوليو 2006، لم يعد الصراع بين حزب الله وإسرائيل كما كان من قبل. فالحرب التي انتهت دون انتصار واضح لإسرائيل شكّلت زلزالًا استراتيجيًا داخل المؤسسة العسكرية والسياسية في تل أبيب، وأجبرت مراكز القرار على إعادة النظر جذريًا في أسلوب المواجهة. لم تعد المعادلة تقتصر على الصواريخ مقابل الغارات الجوية، بل تحوّل الصراع إلى مواجهة مفتوحة في عالم التكنولوجيا والاستخبارات، حيث لا يُقاس التفوق بعدد الجنود والدبابات بقدر ما يُقاس بقدرة الاختراق والتجسس وجمع المعلومات.

منذ ذلك التاريخ، انكبّت مراكز الأبحاث العسكرية والجامعات الإسرائيلية وشركات التكنولوجيا الناشئة على تطوير منظومات جديدة في مجالات التنصت والاتصالات والاختراقات السيبرانية، حتى باتت إسرائيل تعتبر نفسها في سباق مع الزمن من أجل بناء شبكة استخباراتية قادرة على “رؤية” كل ما يجري في بيئة حزب الله الداخلية. الأقمار الصناعية المخصّصة للتجسس تكاثرت، والتكنولوجيا المدنية التي باتت تغزو حياة كل فرد – من الهواتف الذكية إلى أجهزة التلفاز والراوترات وحتى الغسالات والمكيفات المتصلة بالـ Wi-Fi – صارت مادة دسمة للتجسس والتعقّب، فكيف إذا اجتمعت هذه المعطيات مع فائض ثقة انعكس على الحزب بعد الحرب؟

مشاركة حزب الله في الحرب السورية كانت بدورها عاملًا مفصليًا. صحيح أنها منحته خبرة ميدانية استثنائية في القتال البري وحروب المدن، إلا أنها في المقابل استنزفته بشريًا وعسكريًا، وعرّضته لشبكة واسعة من الرصد والمتابعة. لم يعد الحزب محصورًا في جغرافيا جنوب لبنان حيث يمكنه أن يتحصّن، بل أصبح طرفًا مكشوفًا في معارك إقليمية متعددة الأطراف. فائض القوة الذي شعر به الحزب في تلك الفترة جعله أقل تشددًا في الاحتياطات الأمنية، فيما كانت إسرائيل تكدّس معطيات دقيقة عن كل تحركاته.

ولم يقتصر الأمر على سوريا أو لبنان، بل تجاوزه إلى البعد الإقليمي والدولي. فإسرائيل، منذ 2006، استفادت من المناخ العالمي المناهض لما يُسمى “الإرهاب” لتصوير حزب الله كذراع إيرانية في المنطقة، ونجحت عبر اللوبيات الغربية في فرض تصنيفات أوروبية وأميركية ضد الحزب، ما منحها شرعية إضافية لأي ضربة قد توجهها. بهذا المعنى، كان الضغط على الحزب يأتي من السماء بالأقمار الصناعية ومن الأرض عبر القرارات الدولية، ومن الداخل عبر التحديات اللبنانية الاقتصادية والسياسية.

لكن، إذا كانت إسرائيل قد امتلكت القدرة على توجيه ضربة قاضية، فلماذا لم تفعل ذلك مباشرة بعد أن باتت قدرات الحزب مكشوفة لها؟ الجواب أن وجود الحزب في مرحلة ما كان يخدم إسرائيل أكثر مما يضرها. فداخليًا، كان أحد أبرز عوامل الانقسام اللبناني ومصدرًا لتباطؤ عجلة النمو الاقتصادي، وخارجيًا كان ذريعة ثابتة تتيح لتل أبيب لعب دور الضحية الدائمة، فتستدر المزيد من الدعم المالي والعسكري من الغرب. إسرائيل، باختصار، لم تكن ترى في الحزب خطرًا وجوديًا بقدر ما كانت ترى فيه عنصرًا يبرّر استمرار تفوقها وتوسّعها في مجالات التكنولوجيا العسكرية.

التحوّل الحقيقي حصل مع هجوم حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. الضربة التي طالت العمق الإسرائيلي اعتُبرت زلزالًا أمنيًا أطاح بسمعة الموساد والاستخبارات العسكرية، ووضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أخطر مواجهة سياسية في تاريخه. لم يعد ممكنًا الاكتفاء بمعادلة “الردع” ولا بمجرد تحسين صورة إسرائيل في الخارج، بل بات هناك حاجة ملحّة لإنجاز نوعي يعيد الثقة إلى الجندي والمواطن الإسرائيلي، ويقدّم لنتنياهو ورقة خلاص في معركته الداخلية. عندها وُلد القرار باستخدام ورقة حزب الله: ضربة قاصمة، مركّزة، تعيد كتابة قواعد اللعبة وتُثبت أن إسرائيل قادرة على إنهاء خصومها بـ”كبسة زر” كما كان الحزب نفسه يفاخر في خطابه السياسي.

هذه الضربة، التي استهدفت بنية الحزب الاستخباراتية والعسكرية، حملت نتائج عميقة. فعلى الصعيد الإسرائيلي الداخلي، تحوّل نتنياهو من قائد مأزوم إلى “بطل قومي” استعاد جزءًا من شرعيته، حتى أن بعض الخطاب الإسرائيلي بالغ في تصويره بوصفه بطلًا “تلموديًا” مذكورًا في النصوص القديمة. أما الحزب، فبات يترنح بين خطاب التعبئة التقليدي ومحاولات الحفاظ على ما تبقى من قدرات عسكرية قد لا تشكّل في الواقع خطرًا استراتيجيًا على إسرائيل.

اليوم، لم تعد تل أبيب تبدي تشددًا في مسألة نزع سلاح الحزب. ما تبقى من سلاحه يخدمها أكثر مما يضرها. فهو يزيد الانقسام الداخلي اللبناني، ويؤمن لإسرائيل مبررًا دائمًا للقول إنها تواجه “تهديدًا” على حدودها، فيما الحقيقة أن الحزب بات عاجزًا عن فرض معادلة ردع حقيقية. الجهات الأكثر إصرارًا على نزعه ليست إسرائيل، بل أطراف لبنانية ترى في إضعاف الحزب فرصة لإعادة الإمساك بدفة القرار، وخصوصًا بعض القوى المسيحية التي تحلم باستعادة دورها الريادي في إدارة لبنان كما كان في بدايات الاستقلال.

أما في البُعد العربي، فكثيرًا ما يُشاع أن دول الخليج لن تعيد استثماراتها إلى لبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه. غير أن هذه الحجة ليست سوى ذريعة سياسية.y فالحقيقة أن لبنان لم يعد يشكّل الوجهة الاقتصادية المفضلة كما كان في الماضي. المنافسة الإقليمية في مجالات السياحة والترفيه والاقتصاد جعلت من مصلحة تلك الدول أن يبقى لبنان ضعيفًا ومشلولًا، كي لا يزاحمها في استقطاب رؤوس الأموال. شعار “سلاح الحزب” صار شماعة تعلق عليها العواصم العربية تملصها من وعود الدعم، فيما الهدف الحقيقي هو إبقاء لبنان خارج المنافسة.

وإذا كان الحزب قد بُني يومًا على فكرة العمل السري والانضباط الحديدي، فإن التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات المراقبة جعل من المستحيل تقريبًا إعادة إنتاج هذه السرية. لم يعد الاختفاء تحت الأرض كما في الثمانينات والتسعينات ممكنًا، ولا حتى إدارة شبكة عسكرية دون أن تترك أثرًا رقمياً يُلتقط هنا أو هناك. بهذا المعنى، يمكن القول إن التكنولوجيا العالمية نفسها باتت سلاحًا بيد إسرائيل حتى دون أن تطلق رصاصة واحدة.

هكذا، من حرب 2006 إلى هجوم 2023، تدرّجت إسرائيل من مرحلة الصدمة والهزيمة إلى مرحلة بناء التفوق التكنولوجي، ثم إلى مرحلة حصد الثمار عبر توجيه ضربة بدّلت موازين القوى. ما تبقى اليوم من حزب الله هو قوة مثقلة بالخيبات الداخلية والتحديات الإقليمية، قوة لم تعد تخيف إسرائيل بقدر ما تخدمها في إبقاء لبنان عالقًا في أزماته، وتبرير استمرار الدعم الغربي غير المشروط لتل أبيب.

النتيجة النهائية أن الصراع على سلاح الحزب لم يعد إسرائيليًا – لبنانيًا بقدر ما أصبح شأنًا لبنانيًا داخليًا، تُستغل فيه الانقسامات الطائفية والسياسية، فيما الإقليم والدول العربية الكبرى يجدون فيه فرصة لتبرير إهمالهم للبنان. إنها معركة لم تعد تدور فقط في ميادين الجنوب، بل في عقول اللبنانيين أنفسهم، وفي حسابات القوى الكبرى التي ترى في لبنان ساحة للتجاذب أكثر مما تراه دولة تستحق الدعم والنهوض.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top