القمة العربية الاسلامية الاستثنائية والتحالفات الاستراتيجية في الشرق الاوسط: من السعودية وباكستان وايران الى محادثات اسرائيل وسوريا… اعادة رسم موازين القوة ومواجهة التحديات

بقلم ندى جوني

انعقدت الاثنين الماضي قمة عربية اسلامية استثنائية على خلفية الهجمات الإسرائيلية على العاصمة القطرية الدوحة يوم الثلاثاء 9 أيلول، والتي استهدفت مبانٍ تضم مسؤولين من حماس و فريقهم المفاوض مع اسرائيل، من أجل إنهاء الإبادة في غزة وإعادة الأسرى المحتجزين لدى حماس منذ 7 أكتوبر 2023.
وكما هو معلوم، أن المفاوضات تجري عبر قطر بوساطة عربية ودولية.
في المقابل، أرادت القمة توجيه رسالة عربية واسلامية عاجلة، لكنها كشفت بوضوح هشاشة المواقف الرسمية أمام تصعيد تل أبيب، وأوضحت محدودية أدوات الضغط المتاحة للدول العربية في مواجهة سياسات إسرائيل.
يطرح هذا الواقع عدة أسئلة أهمها: إلى أي مدى يمكن للجامعة العربية تحويل هذه القمم الطارئة إلى تأثير فعلي على الأرض؟ وهل ما زالت الدول العربية والإسلامية قادرة على فرض إرادتها في مواجهة إسرائيل، أم أن الخطابات الرمزية هي حدود الفعل المتاح؟

موقف لبنان: خطاب الرئيس عون بين الرمزية والفاعلية

في هذا السياق، جاء خطاب الرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي ركّز على حماية التوازن الداخلي اللبناني كما لوّح عون بإمكانية اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل في حال لم تستجب لمبادرة السلام العربية، لكنه اختار أسلوبًا حذرًا جدًا، يعكس محدودية القدرة اللبنانية على التأثير الخارجي، ويطرح تساؤلات حول مدى جدوى المواقف الرسمية في لبنان مقارنة بالتحديات الإقليمية الكبيرة!..
فهل كان خطاب عون محاولة لحفظ ماء الوجه أمام الداخل اللبناني، أم خطوة سياسية محورية يمكن أن تؤثر في مسار القرارات العربية المشتركة؟

محادثات سوريا وإسرائيل: إعادة رسم موازين الأمن الإقليمي في ظل القمة العربية

تزامنت انعقاد القمة العربية الاسلامية الاستثنائية مع محادثات أمنية مهمة بين سوريا وإسرائيل في لندن، استمرت خمس ساعات بحضور المبعوث الأميركي براك كوسيط، ما يعكس تعقيد المشهد الإقليمي وتداخل الملفات الدبلوماسية مع المستجدات الأمنية.
ركز اللقاء على مقترح إسرائيلي لاتفاقية أمنية محتملة، فيما شدد الجانب السوري على ضرورة احترام سيادة على كل شبر وحبة تراب من أرضها، وضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي توغلت فيها منذ 8 كانون الأول، وإعادة انتشار قوات الأمم المتحدة في المنطقة العازلة، مع التمسك باتفاق فك الاشتباك لعام 1974 كمرجعية أساسية لتثبيت وقف التصعيد.
تحمل هذه المحادثات الأمنية بعداً رمزيًا وعمليًا في الوقت نفسه، إذ تأتي في توقيت حساس بعد الهجمات الإسرائيلية على الدوحة، التي وضعت القادة العرب أمام اختبار حقيقي لقدرتهم على الردع والضغط السياسي. فالملف السوري، بما فيه من محادثات مباشرة مع إسرائيل، يمثل مؤشرًا على أن بعض الدول العربية بدأت تبحث عن أدوات أكثر عملية وواقعية لتعزيز الأمن الإقليمي، بعيدًا عن الخطابات الرمزية والاعتماد الكامل على الوساطات الأميركية التقليدية.

علاوة على ذلك، تعكس هذه المحادثات تداخل الأمن العربي مع مصالح القوى الإقليمية الكبرى، حيث أصبح واضحًا أن أي تفاهم مع إسرائيل لا يمكن أن يكون منفصلًا عن الديناميات التي تشهدها المنطقة، بما في ذلك التنسيق الدفاعي السعودي والباكستاني والحوار الإيراني السعودي.
فوجود مثل هذه الملفات المتوازية يعكس رغبة الدول العربية والإقليمية في بناء شبكات توازن قادرة على فرض قيود على أي تحرك إسرائيلي أحادي، وإعادة تشكيل الاستقرار بعيدًا عن تبعية كاملة للولايات المتحدة.

ناتو عربي وإقليمي في الأفق: التحالفات التي قد تعيد معادلة القوة

على صعيد التحالفات، أكدت الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها السعودية مع باكستان على أهمية إعادة رسم موازين القوى في المنطقة. فباكستان، بصفتها قوة نووية وتمتلك جيشًا ضخمًا وقدرات بشرية هائلة، تمنح التحالف السعودي رادعًا استراتيجيًا قادرًا على التأثير في أي حسابات إسرائيلية مستقبلية، خصوصًا فيما يتعلق بأي تحركات عسكرية محتملة أو ضغوط على حلفاء المنطقة. هذا التحالف يعكس رغبة الرياض في تأمين أدوات ردع قوية وحقيقية، بعيدًا عن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة، ويبرز مرحلة جديدة من التفكير الاستراتيجي العربي المبني على تحالفات متعددة الأبعاد.

إضافة إلى ذلك، تأتي زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى الرياض لتعزيز التعاون الدفاعي والاقتصادي، بما يشير إلى ميل السعودية نحو فتح قنوات تفاهم متدرجة مع طهران، تهدف إلى تقليل المخاطر المباشرة من أي تصعيد محتمل، وتعزيز الاستقرار الإقليمي. كما يعكس هذا الحوار تحولًا دبلوماسيًا مهمًا، حيث بدأت القوى الإقليمية الكبرى تبحث عن وسائل لتنسيق السياسات الأمنية والاقتصادية بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على القوى الكبرى خارج المنطقة، – وتحديدًا- واشنطن.

التحالفات متعددة المستويات: بداية حقبة جديدة للأمن الإقليمي

تبدو المرحلة المقبلة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، حيث تتشابك التحركات العسكرية مع الدبلوماسية الاستراتيجية، ويصبح نجاح الخطوات العربية مرتبطًا بقدرة الدول على تحويل الخطابات الرمزية إلى أدوات ضغط ملموسة، تُعيد رسم التوازن الاستراتيجي على الأرض وتفرض قدرة الردع في مواجهة أي مغامرات مستقبلية، سواء من إسرائيل أو من أطراف إقليمية أخرى.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top