
بقلم ندى جوني
تحتفل المملكة العربية السعودية اليوم الثلاثاء 23 أيلول 2025 بيومها الوطني الخامس والتسعين، تحت شعار ” عزنا بطبعنا “، والذي يعود للعام 1932، حين أصدر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود أمراً ملكياً بتوحيد البلاد تحت اسم ” المملكة العربية السعودية “، ليشكل نقطة تحول محورية في تاريخ المنطقة. ومنذ ذلك الحين، سارت المملكة العربية السعودية في مسار متواصل من البناء والتطوير، وصولاً إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حيث تشهد البلاد تحولات نوعية ضمن رؤية وطنية طموحة، تضع المملكة العربية السعودية اليوم كدولة متطوّرة في مختلف المجالات.
لكن كيف تطورت المملكة عبر العقود السابقة، وما أبرز المحطات التي شكّلت مسيرتها وصولًا إلى هذا الحاضر المزدهر والبنّاء؟
المحور الأول: مرحلة التأسيس والتحول الإقتصادي (1932 –1960)
بعد صدور المرسوم الملكي في 23 أيلول 1932 بإعلان توحيد المملكة العربية السعودية، دخلت البلاد مرحلة تأسيسية ركّزت على بناء مؤسسات الدولة وتثبيت الإستقرار السياسي. فقد كان التحدي الأول هو دمج الأقاليم المتعددة في كيان موحّد، وتأسيس جهاز إداري وأمني قادر على إدارة المساحة الجغرافية الواسعة. من ناحية أخرى، شكّل اكتشاف النفط خلال الأربعينات نقطة تحوّل كبرى؛ إذ لم يعد المورد الاقتصادي يعتمد على الزراعة، أو الحج، والتجارة التقليدية فقط، بل أصبح النفط المورد الرئيسي، الذي غيّر ملامح اقتصاد المملكة، إذ ساهم في تعزيز موارد الدولة المالية، ما سمح لها بالبدء في مشروعات بنى تحتية، كالطرق والمطارات والمستشفيات، وفتح الباب أمام تحديث التعليم والصحة.
كما شهدت هذه المرحلة بدايات التأسيس المؤسسي، حيث وُضعت اللبنات الأولى للوزارات والأجهزة الرسمية، مثل وزارة المالية (1932)، وزارة الخارجية (1930 قبل إعلان التوحيد وتوسعت لاحقاً)، ثم وزارة الدفاع والطيران (1946)، ما أعطى الدولة شكلاً إدارياً حديثاً. إلى جانب ذلك، كان للسياسة الخارجية دور مبكر في ترسيخ مكانة المملكة، خاصة بعد أن أصبحت مورّداً استراتيجياً للنفط خلال الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي فتح لها مجالاً جديداً من التحالفات والعلاقات الدولية، ولا سيما مع الولايات المتحدة بعد توقيع اتفاقية النفط مع شركة أرامكو عام 1933.
إذاً، مثّلت هذه المرحلة حجر الأساس الذي انطلقت منه المملكة، حيث تمّ التوحيد السياسي والاقتصادي واكتشاف النفط من جهة، والتأسيس المؤسسي من جهة أخرى، ممهدة بدورها لمرحلة الت اللاحقة.
المحور الثاني: بناء الدولة الحديثة والطفرة النفطية (1960 – 2015)
بعد أن استقرت أركان الدولة السعودية الموحدة وتمّ اكتشاف النفط كمورد استراتيجي، دخلت المملكة مرحلة جديدة من تاريخها امتدت من ستينات القرن العشرين حتى منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وقد شكّلت هذه الحقبة مساراً حاسماً في تكوين الدولة الحديثة وتحوّلها إلى قوة إقليمية وعالمية.
1- الانطلاقة المؤسسية والتخطيط التنموي
مع بداية الستينات بدأت الدولة في تأسيس وزارات وهيئات جديدة تنظم الاقتصاد وتدير الخدمات العامة. كان من أبرز المحطات:
• إنشاء وزارة البترول والثروة المعدنية (1960) لتنظيم قطاع النفط.
• إطلاق جامعة الملك سعود في الرياض (1957) التي مثلت أول صرح جامعي وطني.
• تأسيس المؤسسة العامة للبترول والمعادن (بترومين 1962) التي لعبت دوراً في إدارة قطاع الطاقة.
عام 1970 دشنت المملكة الخطة الخمسية الأولى للتنمية، التي وضعت أسساً للتخطيط الاقتصادي المنظم، وهو ما شكّل منعطفاً في إدارة الموارد وتوزيعها.
2- الطفرة النفطية والتحول العمراني (1973- 1980)
مثّلت حرب تشرين عام 1973 نقطة تحول استراتيجية، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل هائل، ما ضاعف العائدات السعودية وأدخلها في مرحلة الطفرة الاقتصادية. هذه الطفرة انعكست على:
• البنية التحتية: توسع غير مسبوق في بناء الطرق السريعة، المطارات الدولية، الموانئ، ومحطات الكهرباء.
• التعليم والصحة: إنشاء الجامعات الجديدة والمستشفيات الحديثة، مع إرسال بعثات علمية إلى الخارج.
• المدن الصناعية: مثل مدينة الجبيل وينبع الصناعيتين اللتين دشنتا في السبعينات لتطوير الصناعة البتروكيماوية.
3- التحولات الاجتماعية والثقافية
أدى النمو الاقتصادي إلى نشوء طبقة وسطى سعودية حديثة، وانتشار التعليم بين الجنسين، وارتفاع مستويات المعيشة. كما شهدت المدن الكبرى توسعاً عمرانياً متسارعاً غيّر ملامحها بشكل كامل.
4- الدور الإقليمي والسياسي
سياسياً، برزت المملكة لاعباً أساسياً في المنطقة:
• شاركت في تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي (1969) لتعزيز التضامن الإسلامي.
• لعبت دوراً محورياً في منظمة أوبك منذ السبعينات، ما رسّخ موقعها كـ “قوة نفطية عظمى”.
• أسهمت في حل أزمات إقليمية، أبرزها الحرب الأهلية اللبنانية والحرب العراقية الإيرانية.
• في حرب الخليج الثانية (1990 – 1991) مثّلت المملكة قاعدة أساسية للتحالف الدولي ضد غزو الكويت، ما رسّخ دورها الأمني والاستراتيجي.
5- مرحلة إعادة التوازن (1990- 2015)
مع تراجع أسعار النفط في الثمانينات والتسعينات، بدأت الدولة تنتهج سياسات أكثر حذراً في الإنفاق، مع محاولات لتنويع الاقتصاد جزئياً.
• أُطلقت مبادرات إصلاحية إدارية واقتصادية في عهد الملك فهد (1982 – 2005).
• في عهد الملك عبد الله (2005 – 2015)، شهدت المملكة تحديثات كبيرة في قطاع التعليم (برنامج الابتعاث الخارجي)، ومشاريع ضخمة للبنية التحتية (مثل توسعة الحرمين الشريفين، ومشاريع النقل والجامعات الجديدة).
• كما بدأت الدولة بمواجهة تحديات مثل البطالة، تذبذب أسعار النفط، والضغوط لزيادة التنويع الاقتصادي.
المحور الثالث: ” رؤية 2030″ والتحولات الكبرى (2016 – 2025)
مع إعلان وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان ” رؤية 2030 ” عام 2016، دخلت المملكة مرحلة جديدة تمثل نقلة نوعية في مسار التنمية والتحول الوطني. وتعتبر هذه الرؤية مشروعاً استراتيجياً يهدف إلى تنويع الاقتصاد، تطوير المجتمع، وتمكين المملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي، بعيداً عن الإعتماد الكامل على النفط.
1- التحول الاقتصادي
• تنويع مصادر الدخل: إطلاق مشاريع ضخمة في السياحة، الترفيه، التعدين، الطاقة المتجددة، واللوجستيات، لتقليل الإعتماد على النفط.
• الاستثمارات الكبرى: مشاريع مثل نيوم، مشروع البحر الأحمر السياحي، والقدية، والتي تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي للسياحة والاستثمار.
• الخصخصة والإصلاح الإداري: تحديث القطاع الحكومي، دعم الشفافية، وتبسيط الإجراءات الاستثمارية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية. (Saudi Vision 2030)
2- الإصلاحات الاجتماعية والثقافية
• تمكين المرأة: السماح بقيادة السيارات، زيادة مشاركة النساء في سوق العمل، وتولي مناصب قيادية، اعطاءها الحرية بإرتداء النقاب أو الحجاب….
• فتح القطاعات الثقافية والترفيهية: إقامة الفعاليات الموسيقية والرياضية، السماح بالسينما، ودعم الفنون والثقافة المحلية، تأسيس الهيئة العامة للترفيه..
• تحديث التشريعات: تسهيل ممارسة الأعمال التجارية، دعم الابتكار وريادة الأعمال، وتحسين جودة الحياة للمواطنين.
3- التطور السياسي والإداري
• تعزيز كفاءة المؤسسات الحكومية: إدخال الحكومة الإلكترونية، وتحسين الخدمات العامة الرقمية، ورفع مستوى الشفافية والمساءلة.
• دور المملكة الإقليمي والدولي: المشاركة في مبادرات سياسية واقتصادية عالمية، وتعزيز النفوذ السعودي في الشؤون الإقليمية، خصوصاً في الاقتصاد والأمن.
4- الأثار الإيجابية على المجتمع والاقتصاد
• ساهمت هذه الرؤية في تغيير الثقافة الاقتصادية والاجتماعية، مع تعزيز الانفتاح على العولمة والابتكار.
• بدأت المملكة تظهر كمجتمع ديناميكي يتبنى التطوير مع الحفاظ على الهوية الوطنية والدينية.
• أطلقت الرؤية سلسلة من المشاريع والمبادرات التي تشكّل محركاً للنمو الاقتصادي المستدام، وتتيح فرصاً للشباب السعودي، وتحوّل المملكة إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة.
منذ إعلان توحيد المملكة العربية السعودية في 23 أيلول 1932، قطعت البلاد رحلة طويلة مليئة بالتحولات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية. واليوم، ومع انطلاق رؤية السعودية 2030 بقيادة وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان، تدخل المملكة مرحلة جديدة من التطوير والتحول الشامل، حيث يجمع المستقبل بين تنمية الاقتصاد، وتمكين المجتمع، وتحديث المؤسسات، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والدينية. لقد شكّلت هذه المسيرة المستمرة مثالاً على القدرة على التكيّف، والتخطيط الاستراتيجي، والرؤية الطموحة، ما يجعل المملكة اليوم على أبواب فصل جديد من الإنجازات، يقودها نحو مزيد من الاستقرار والازدهار، ويجعل من يومها الوطني مناسبة للاحتفاء بما تحقق، واستشراف ما هو آتٍ.
