
أثارت تصريحات الموفد الأميركي توم برّاك موجة من ردود الفعل في لبنان، إذ بدا أنها تحمل تهديدات مباشرة وتفتح الباب لتفسيرات عن تغييرات جذرية في السياسة الأميركية تجاه الملف اللبناني. لكن قراءة دقيقة لخلفيات هذه التصريحات تشير إلى أنها انعكست عن صراع داخلي داخل الإدارة الأميركية، لا عن تحوّل فعلي في الموقف الأميركي.
بعد الانتقادات التي أثارتها تصريحاته في الأوساط اللبنانية، تواصل برّاك مع عدد من الشخصيات اللبنانية لتوضيح موقفه، مؤكداً أن تصريحاته كانت موجهة أساسًا إلى معارضيه داخل الإدارة الأميركية، وليس الداخل اللبناني، وأن هدفه كان حماية موقعه وسط صراع على إدارة الملف اللبناني.
وأوضح مرجع لبناني رفيع أن التوتر جاء نتيجة اتهامات داخلية بأن برّاك متساهل مع القيادات اللبنانية ولا يعتمد سياسة “الضغوط القصوى”، ما دفعه لرفع سقف تصريحاته وتوجيه رسائل إلى من يحاولون تهميشه في واشنطن. كما شدد على تمييز رئيس مجلس النواب نبيه برّي بأنه “يقول الحقيقة ويتصرف وفقها”، مقارنة ببقية القيادات اللبنانية.
وتوضح هذه الخلفية أن كل السيناريوات التي تداولها البعض في لبنان، بدءًا من تبدّل شامل في الموقف الأميركي إلى التلميح بإمكانية تخلّي واشنطن عن دعم لبنان، كانت إسقاطات على صراع داخلي أميركي لا علاقة له بالخيارات الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة.
وأكدت الإدارة الأميركية لاحقاً ثبات سياساتها تجاه لبنان من خلال اللقاء بين الرئيس جوزاف عون ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، مجددة دعمها للجيش اللبناني، ومشددة على الحفاظ على السلم الأهلي والابتعاد عن أي خطوات قد تهدد الاستقرار. كما أعادت الإدارة التأكيد على ضرورة الالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 لضمان الهدوء في الجنوب ومنع انزلاق لبنان إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن تصريحات برّاك لم تكن إعلانًا عن سياسة جديدة، بل انعكاس لصراع على النفوذ داخل الإدارة الأميركية، فيما بقيت الأسس الكبرى للسياسة الأميركية تجاه لبنان ثابتة، مؤكدة أهمية قراءة أي إشارات خارجية ضمن سياقها الصحيح قبل إصدار الأحكام
المصدر: داود الرمال، نداء الوطن
