وهم الاستثناء اللبناني… بين الصرامة المصالح وضرورة التحول الداخلي

بقلم رفيق عبدالله- ديموقراطيا نيوز

يستمر خطاب لبناني واسع في التغذي من أسطورة مريحة، ابتداءً بفكرة أن لبنان بلد استثنائي وأن العالم لا يتوانى عن إنقاذه، وليس انتهاءً بالاعتقاد أن إسرائيل إن حاربت فذلك لتخليص الدولة من “دولة داخل الدولة”

غير أن السياسة لا تتحرك بهذه العواطف، ويكاد جميع المنظّرين في علم السياسة يتفقون على حقيقة واحدة: الدول تعمل بمنطق المنفعة لا بمنطق التعاطف.
بهذا الميزان ينبغي قراءة المشهد اللبناني. فاسرائيل، في لحظات تصعيدها ضد حزب الله، لم تدر معركتها بحثا عن استقرار لبناني داخلي، بل لتصحيح صورتها العسكرية، وترميم تماسكها الداخلي، واعادة صياغة سردية الردع. انها تجسيد حرفي لقول كلاوزفيتز: “الحرب استمرار للسياسة بوسائل اخرى”. وعليه، فالضربة التي تلقاها الحزب كان من الممكن ان تتحول الى لحظة مراجعة استراتيجية لو قرئت بعين وطنية خالصة: منطق “المقاومة” يحتاج الى طبقة سياسية واخلاقية تتيح انتقاله من ساحات الاستنزاف الى مقاومة دبلوماسية ومنظومة تحالفات داخلية صلبة، والى حماية اقتصادية واجتماعية تحصن البيئة التي يدعي حمايتها. بحيث ان “الهيمنة” لا تبنى بالقسر وحده، بل برضا المجتمع وشبكة المعاني المشتركة.

على الضفة المقابلة، يقع جزء من اليمين المسيحي في فخ خطاب فوقي يستقوي بماضي الامتيازات، فيما تتحدث الأرقام الصامتة عن تراجع ديموغرافي بفعل الهجرة والشيخوخة. وهو ما يدفع بعض الأصوات في المقلب الآخر إلى التلويح بتعديل المناصفة أو إعادة هندسة الشراكة، بحيث تنسجم مع واقعية اللحظة لا مع مقولة “وقفنا العد” التي أرسى معانيها الشهيد رفيق الحريري.

اما المكوّن السني فالمطلوب منه استعادة دوره التاريخي كضامن للتوازن الوطني وبوابة انفتاح على المحيط العربي. بقدرته على مد الجسور مع سوريا والعراق والاردن والخليج، يمكن له ان يكون بيضة القبان التي تطمئن المكون الشيعي في الجنوب والضاحية بان لبنان العروبي ثابت في موقفه ضد الاحتلال الاسرائيلي. هذا الدور لا يعيد التوازن الداخلي فحسب، بل يعزز ثقة الشركاء العرب بلبنان كجزء من منظومة الاستقرار لا كعبء اضافي. المنطقة حولنا تغيرت. تبنت دول عربية فلسفات تنويع اقتصادي، وانفتاحا ثقافيا وسياحيا، وبنت معالم تجذب السياح رغم قساوة المناخ، واعادت تعريف مكانتها في سلاسل القيمة العالمية. لم يعد لبنان “المصرف” و”المسرح” و”الملاذ” الوحيد. وفق بندكت اندرسون، الامة “جماعة متخيلة” تعاد حياكتها سرديا ومؤسسيا؛ وحين يعجز بلد عن تجديد سرديته، يفقد مزاياه النسبية. هنا يطل ابن خلدون ليذكر: “اذا ذهبت العصبية ذهب الملك”. والعصبية الحديثة ليست رابطة الدم، بل العقد الاجتماعي: مواطنة، قانون، مؤسسات، وفرص عادلة. وليس خارج السياق ما نسب الى المبعوث الاميركي توماس باراك في توصيفه القاسي للمنطقة بانها “شعوب وقبائل وعائلات وثقافات اكثر منها دولا”. توصيف لا يؤخذ مسلما به ولا يستسلم له، لكنه انذار بان الشرعية الحديثة لا تستورد، وان الدولة لا تقوم الا اذا تجاوزت الجماعات سرديات الشماتة والازدراء المتبادل الى تسوية كبرى توازن بين الهوية والوظيفة.
ماذا يقتضي ذلك لبنانيا؟..
اولا، كسر وهم “الانقاذ الخارجي”. الولايات المتحدة، كسائر القوى الكبرى، تقارب لبنان من زاوية مصالح مرتبطة بامن اسرائيل والطاقة والتموضع الاقليمي؛ وسوريا غارقة في اعادة الاعمار؛ والخليج يعتمد نفعية رشيدة تفضل توطين راس المال وتعظيم القيمة المحلية. لن يمد احد شبكة نجاة بلا مقابل واضح. ان الاستثمار الدولي المعاصر تقوده الشركات الكبرى لا العواطف الكبرى. وحين يعاد بناء دولة القانون، تصبح بيروت محطة اعمال لا ساحة مناكفات، ومرفأ لوجستيا لا منصة تحاصص، وسوقا تدار بالعقود الذكية لا بالوساطات.
ثانيا، انتقال “المقاومة” — بمعناها الاوسع — من رد الفعل الى استراتيجية مصالح: دبلوماسية هجومية ترسخ شبكة امن اقليمي، وعقود طاقة واتصالات وبنى تحتية تحكمها الشفافية، وخطط انعاش تعطي الاولوية لعدالة الجباية واستقلال القضاء وحوكمة المصرف المركزي. ما كان يسمى “اقتصاد التسوية” يجب ان يستبدل بـ “تسوية الاقتصاد”: قواعد واضحة، مخاطر محسوبة، زمن تنفيذ معلوم.
ثالثا، الاعتراف بان الفوقية الطائفية — ايا كان مصدرها — مشروع انتحار بطيء. فاللغة التي تشمت بالاخر او تزدريه تضعف صاحبها قبل خصمه، وتستبدل الميثاق باوهام الغلبة. وفي قاموس السياسة، الغلبة بلا استدامة سراب.
ان “فن الممكن” البسماركي ليس دعوة للانبطاح، بل تفويضا للعقل بان يعيد ترتيب الاولويات: شرعية تنجز، ومؤسسات تنفذ، واقتصاد يقنع. وعند هذه العتبة تحديدا يصبح تغيير السلوك ممكنا: حزب الله امام مراجعة تقدم التحالف الداخلي والجدوى الاقتصادية على سخونة الجبهات، واليمين المسيحي امام واقعية سياسية تبدل خطاب القلق الى عقد شراكة معاصر، والمكون السني امام دور “الضامن” الذي يفتح بوابات العرب من دون ان يقفل ابواب الداخل. اللبنانيون لا يحتاجون الى اساطير جديدة، بل الى بوصلة قديمة: مصالح وطنهم اولا. حين يصبح هذا الشعار ممارسة لا نشيدا، يسقط وهم الاستثناء من تلقائه، ويحل مكانه استثناء من نوع اخر: بلد صغير اختار ان ينجو بعقلانيته لا بانتظار معجزة، وان يبني قوته من شرعية مواطنيه لا من استعارة قوة الاخرين. عندئذ فقط، يصير “فن الممكن” فن النهوض.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top