لبنان بعد مؤتمر شرم الشيخ: واقعية سياسية ومسار نحو السلام من موقع الحياد الإيجابي

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة عقب مؤتمر شرم الشيخ للسلام، يبرز الموقف اللبناني بقدر عالٍ من الواقعية السياسية، يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة الجديدة التي تنتقل من منطق المواجهات إلى منطق التسويات.

لبنان، الذي كان طويلًا ساحةً للصراعات الإقليمية والدولية، يبدو اليوم أكثر حرصًا على أن يكون شريكًا في مسار التفاوض لا ضحية له، مستفيدًا من المناخ القائم على الحوار بدلًا من الحرب.

وقال مصدر سياسي لبناني لصحيفة «الأنباء» الكويتية إنّ المرحلة التي تلت مؤتمر شرم الشيخ تُعتبر لحظة مفصلية تتطلّب إعادة قراءة الأولويات الوطنية على ضوء التحولات المحيطة. وأضاف: «إنّ الدعوة إلى السلام في المنطقة لا يمكن أن تستثني لبنان، الذي دفع أثمانًا باهظة جراء الصراعات الماضية، ولذلك اعتمدت الدولة مقاربة قائمة على أنّ الحلول لا تُولد من فوهات المدافع، بل من طاولة المفاوضات».

وأوضح المصدر أنّ لبنان يتمسك بمسار السلام الشامل انطلاقًا من ثوابته الوطنية التي تصون السيادة وتضمن الحقوق، مستشهدًا بتجربة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل كنموذج على قدرة الدولة على التفاوض الهادئ من موقع قوة. وأشار إلى أنّ هذا النهج يمكن أن يُطبّق في ملفات أخرى، سواء في العلاقة مع سوريا أو في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، مؤكّدًا أنّ الدفاع عن الأرض لا يتناقض مع الانفتاح على الحلول السياسية، فـ«الأمن الدائم لا يتحقق إلا بالسلام المستقر».

وفي الداخل، لفت المصدر إلى أنّ الدولة تعمل على تعزيز عناصر الصمود عبر تحريك عجلة الإعمار وتنشيط الاقتصاد وتثبيت الأمن، مشيرًا إلى مؤشرات اقتصادية إيجابية وارتفاع في حركة السياحة ورؤوس الأموال. لكنه شدّد على أنّ إعادة البناء تحتاج إلى دعم خارجي، ما يجعل الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لدعم الإعمار خطوة ضرورية لربط لبنان بشبكة الدعم العالمي في مرحلة ما بعد النزاعات.

كما رأى أنّ موقف لبنان من مؤتمر شرم الشيخ يعكس وعياً استراتيجياً بأن موقعه الجغرافي لا يسمح له بالانعزال عن التحولات الكبرى، وأن المطلوب هو التموضع في حياد إيجابي يتيح المشاركة في صناعة السلام بدل انتظار نتائجه.

وبذلك، يقدّم الموقف اللبناني نموذجًا لـعقلانية سياسية تجمع بين الواقعية والمبدئية، وتؤكد أنّ السلام لا يتعارض مع السيادة، بل يشكل الطريق إليها، ليكون لبنان جزءًا فاعلًا من المشهد الإقليمي الجديد لا مجرد متفرج عليه

داوود رمال – صحيفة الأنباء الكويتية

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top