
لم يعد خافياً أن الملف الأبرز في لبنان حالياً هو ملف سلاح “حزب الله”، الذي لا يزال مجمّداً رغم الضغوط الدولية المتزايدة، إذ تبدو الدولة غير مستعدة لاحتكار السلاح بالقوة، رغم أن ذلك يشكل أحد أبرز مقومات قيامها.
وتشير المعطيات إلى تفاهم ضمني بين الدولة والحزب يقوم على بندين أساسيين:
الأول، أن الدولة لن تنزع السلاح بالقوة، مقابل تعاون الحزب في تسليم جزء من السلاح والمخازن جنوب الليطاني لامتصاص الضغط الدولي.
الثاني، أن امتناع الدولة عن استخدام القوة لا يعني التساهل مع أي تحريك للسلاح أو استخدامه ضد إسرائيل أو في الداخل، فيكون غضّ النظر مشروطاً بتحييد هذا السلاح عن الفعل العسكري.
غير أن مصادر متابعة ترى أن الاجتماع بين الرئيس جوزيف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب جاء في محاولة لتحقيق خرق في جدار الجمود المحيط بالملف، من خلال تجاوز عقدة السلاح نحو مسار تفاوضي مع إسرائيل.
فالمبادرة تهدف إلى إرضاء مزدوج:
- إرضاء واشنطن عبر تأكيد أن لبنان جزء من الترتيبات الأميركية الجديدة في المنطقة، خصوصاً بعد قمة شرم الشيخ.
- وإرضاء “حزب الله” عبر حصر سقف التفاوض بإحياء اتفاقية الهدنة، مقابل انسحاب إسرائيل من نقاط تمركزها ووقف هجماتها وإطلاق الأسرى وبدء الإعمار.
لكن هذه المبادرة، بحسب مراقبين، وُلدت ميتة لثلاثة أسباب رئيسية:
أولاً، رفض إسرائيل تنفيذ أي التزامات قبل نزع سلاح “حزب الله” وفق اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، مع إبقائه تحت الضغط العسكري المستمر.
ثانياً، لأن الولايات المتحدة تعتبر أن التفاوض يبدأ من نزع السلاح، ولا يمكن للدولة أن تفاوض وهي لا تحتكر القوة.
ثالثاً، لأن الهدف الأميركي من التفاوض هو السلام الشامل، وليس العودة إلى الهدنة التي ترى واشنطن أنها تجاوزها الزمن.
وتشير التحليلات إلى أن رئيس الجمهورية أراد توجيه رسالة سياسية “صوتية” تفيد بأن لبنان مستعد لملاقاة المساعي الأميركية نحو السلام، لكنها رسالة معلّقة التنفيذ بانتظار التطورات الميدانية التي قد تُرغم “حزب الله” على التخلي عن سلاحه.
وفي المقابل، يلاحظ أن إسرائيل كثّفت ضرباتها لتشمل الشاحنات والجرافات، في إشارة إلى أن ملف الإعمار بات مرتبطاً بتسليم السلاح، وسط غياب التمويل الخليجي المشروط بسيادة الدولة على السلاح.
وبحسب المتابعين، فإن رسالة عون عكست رغبة في التمايز عن مقاربة الحزب الأيديولوجية تجاه إسرائيل، مشيرة إلى أن العقبة أمام المفاوضات ليست مبدئية بل ظرفية. وقد التقط “الحزب” مضمون الرسالة، لكنه تجنّب المواجهة المباشرة مع رئيس الجمهورية لتفادي توسيع خصومه السياسيين، مكتفياً برفض مبدأ المفاوضات بهدوء.
وفي المحصلة، يبدو أن عون حاول كسر الجمود السياسي والعسكري عبر فتح باب تفاوضي يوازن بين الضغط الأميركي وحسابات “حزب الله”، فيما تبقى الأنظار متجهة إلى موقف واشنطن: هل تنتظر الحكومة الإسرائيلية لتقود المسارين معاً، أم تفصل بين المسار العسكري والتفاوضي؟
المصدر: شارل جبور – جريدة نداء الوطن
