
حملت زيارة الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت مطلع الأسبوع دلالاتٍ تتجاوز الوساطة السياسية والأمنية التقليدية، إذ كشفت – وفق مصادر لبنانية مطلعة على أجواء اللقاءات – أن واشنطن تعمل على تقييم مدى قدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها الاجتماعي والخدماتي في الجنوب، في مقابل حضور مؤسسات «حزب الله» التي تملأ الفراغ الإداري والمعيشي منذ سنوات.
وتسير التحركات الأميركية على عدة مسارات متوازية: دعم الجيش اللبناني، الضغط لتطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، دفع المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل، ومنع الحزب من تجديد مصادر تمويله عبر تشديد العقوبات على «القرض الحسن»، بالتوازي مع مساعٍ لإعادة تمكين مؤسسات الدولة لتكون البديل الشرعي في الجنوب.
موقع الدولة في الجنوب
تقول المصادر إن أورتاغوس «نقلت رسائل أميركية واضحة حيال الجنوب ودور الدولة فيه»، مشيرة إلى أن واشنطن تنظر إلى الجنوب كـ«ساحة اختبار حقيقية» لمدى قدرة لبنان على استعادة حضور الدولة في ظل تمدد مؤسسات الحزب. وتضيف أن الاهتمام الأميركي المتجدد بالجنوب اكتسب زخماً مع تصاعد التوترات الحدودية وتراجع أداء المؤسسات الرسمية.
رسائل مشروطة بالسيادة
أكدت أورتاغوس في لقاءاتها أن استقرار الجنوب هو المدخل لأي دعم اقتصادي أو إعادة إعمار، مشددة على أن واشنطن «لن تموّل أي مشروع خارج إطار مؤسسات الدولة اللبنانية أو عبر قنوات حزبية». كما شددت على أن الأمن الاجتماعي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري، وأن غياب الدولة عن إدارة شؤون المواطنين يبقي المنطقة عرضةً للاهتزاز الدائم.
منظومة الحزب… دولة موازية
الواقع الخدماتي في الجنوب يُظهر، بحسب المصادر، فجوةً متزايدة بين مؤسسات الدولة ومؤسسات حزب الله. فبينما تتراجع الخدمات الرسمية بفعل الأزمة الاقتصادية، يواصل الحزب إدارة شبكة واسعة من المستشفيات والمدارس والجمعيات التي تقدم مساعدات مالية وغذائية لآلاف العائلات، ما جعل الحزب «دولةً بديلة» في مناطق نفوذه. وتعتبر واشنطن هذا النموذج دليلاً على تآكل بنية الدولة اللبنانية لصالح سلطة الأمر الواقع.
إعمار مشروط بالسيادة
أوضحت المصادر أن الموفدة الأميركية أبلغت المسؤولين أن أيّ دعم دولي لإعادة الإعمار في الجنوب سيبقى مشروطاً بسيادة الدولة الكاملة وقدرتها على إدارة المساعدات بشفافية. وتربط واشنطن، وفق ما نقلته المصادر، بين الاستقرار الأمني والاجتماعي، محذّرة من أن استمرار الوضع الراهن قد يرسّخ «اقتصاداً اجتماعياً موازياً» يُضعف سلطة الدولة ويجعل إعادة دمج الجنوب ضمن المنظومة الوطنية أكثر تعقيداً في المستقبل.
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
