لبنان بين ضغط التفاوض ومأزق القرار 1701: محاولات لإعادة صياغة موقعه في منظومة الأمن الإقليمي

يتّضح يوماً بعد يوم أن لبنان أصبح ساحة اختبار رئيسية لمعادلات ما بعد الحرب في الإقليم، وأن الضغوط عليه تجاوزت الطابع السياسي التقليدي إلى محاولة إعادة تحديد موقعه داخل منظومة الأمن الإقليمي الجديدة. فالموجة المتصاعدة من الرسائل الأميركية والأوروبية إلى بيروت لم تعد تخفي مضمونها: الدفع نحو التفاوض المباشر مع إسرائيل باعتباره المدخل الإجباري لكسر العزلة واستعادة الدعم المالي ومشاريع الطاقة والإعمار الموعودة.

الخطاب الغربي اليوم لا يحمل مقترحات بقدر ما يفرض شروطاً، مرفقة بعبارات “تحفيزية” تنطوي على لغة إكراه واضحة: إمّا تفاوض مباشر، وإمّا انقطاع كامل في المساعدات والانخراط الدولي.

في مواجهة هذا الضغط، يحاول لبنان اعتماد واقعية سياسية دون التخلي عن موقفه التاريخي الرافض لأي تواصل مباشر. فالرئيس جوزاف عون طرح صيغة تحفظ الشكل والمضمون معاً، عبر القبول بتفاوض برعاية الأمم المتحدة وتحت إشراف دولي، على غرار تجربة ترسيم الحدود البحرية التي أثبتت فعاليتها في حماية الحقوق اللبنانية. وربط هذا الطرح بشرطين أساسيين: وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والالتزام التام باتفاق وقف الأعمال العدائية، في محاولة لقطع الطريق على الضغط الدولي دون إغلاق الباب أمام مسار تفاوضي مشروع يستند إلى قرارات الأمم المتحدة.

لكن التهديد الأخطر يتمثل في إمكانية انتهاء مفاعيل القرار 1701 مع نهاية عام 2026، وما يعنيه ذلك من نهاية ولاية قوات «اليونيفيل». فغياب هذه المظلة الدولية قد يفتح الباب أمام مواجهة ميدانية مفتوحة، تحت شعار أن «الفراغ لا يُترك»، وهو ما تستخدمه القوى الغربية كورقة ضغط جديدة: إمّا الدخول في مفاوضات تقود إلى “سلام مستدام” وفق الرؤية الإسرائيلية، أو مواجهة العزلة والفراغ الأمني معاً.

إلى جانب ذلك، تُطرح بهدوء أفكار ظاهرها تقني وباطنها سياسي، من بينها توسيع صلاحيات لجنة الميكانيزم المعنية بمراقبة وقف الأعمال العدائية، عبر تشكيل لجان فرعية تضمّ مدنيين لبنانيين وإسرائيليين، بحجة تطوير التنسيق الميداني والحدّ من الحوادث الحدودية. غير أن جهات لبنانية تحذّر من أن هذه المقترحات تمهّد لـ تطبيع تدريجي مقنّع، إذ إن إشراك المدنيين في لجان تنسيقية يشكّل نقلة نوعية من التنسيق الأمني غير المباشر إلى تواصل مؤسسي تحت غطاء أممي.

الأكثر دلالة، أن مضمون بعض الرسائل الغربية يعيد إحياء روح اتفاق 17 أيار 1983، إذ تسعى إسرائيل – وفق ما تنقله هذه الرسائل – إلى صيغة “علاقات جديدة” تتجاوز اتفاقية الهدنة لعام 1949، وتفتح الباب أمام ترتيب أمني واقتصادي طويل الأمد. مثل هذا التحوّل من شأنه أن يُدخل لبنان في هندسة إقليمية جديدة يكون فيها الأمن مقدمة لاتفاق سياسي، أي سلام مشروط ينسف فلسفة الردع التي شكّلت أساس السيادة اللبنانية منذ عقود.

أمام هذا الواقع، تبدو الدولة اللبنانية مطالبة بإدارة دقيقة للاشتباك الدبلوماسي، تجمع بين التمسك بالموقف السيادي الرافض لأي تطبيع مباشر، وبين الحفاظ على قنوات الاتصال عبر الأمم المتحدة والوساطة الدولية. فالمطلوب استراتيجية مزدوجة تحمي القرار 1701 كإطار قانوني وحيد يمنع الانزلاق إلى المجهول، مع الحذر من أي محاولة لتعديله أو تجاوزه بذريعة «التطوير».

لأن ما يجري اليوم، كما يخلص الكاتب داوود الرمال، هو ضغط متدرّج لفرض واقع جديد يُلغي المسافة بين التهدئة والتطبيع، والتعامل معه يتطلب إدارة سياسية محسوبة تدرك أن أي تراجع في الموقف السيادي سيتحوّل لاحقاً إلى ورقة تفاوضية بيد إسرائيل، وأن حماية الخط الأزرق سياسياً لا تقلّ أهمية عن حمايته ميدانياً عبر الشرعية اللبنانية وحدها، ممثّلة بالجيش اللبناني.

المصدر: داوود الرمال – نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top