
حسم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الجدل الداخلي بكلمات واضحة: «لا خيار أمام لبنان إلا التفاوض»، منهياً بذلك أشهرًا من التردد والمناقشات العقيمة داخل الأوساط السياسية ومع الوسطاء الأميركيين والأوروبيين الذين سعوا جاهدين لتقريب وجهات النظر اللبنانية المتباينة حول كيفية التعامل مع التصعيد الإسرائيلي المستمر منذ توقيع اتفاق وقف العمليات العسكرية في 27 تشرين الثاني الماضي.
ورغم ما تحمله خطوة القبول بالتفاوض مع إسرائيل من وجع وواقع صعب، إلا أنها تعبّر عن مقاربة واقعية وعقلانية تهدف إلى وقف حرب الاستنزاف التي يشنّها بنيامين نتنياهو ضد لبنان بذريعة ضرب “الأهداف التي تهدد الأمن الإسرائيلي” واستهداف ما تبقّى من بنية حزب الله العسكرية.
أهمية الموقف الرئاسي تكمن في توقيته، إذ يأتي وسط تصاعد التهديدات الإسرائيلية وتكثيف مناورات جيش الاحتلال قرب الحدود اللبنانية، بالتوازي مع حملات إعلامية تزعم أنّ حزب الله أعاد بناء قدراته العسكرية وتشغيل مصانع الصواريخ والمسيّرات في أنفاقه، استعداداً لمواجهة جديدة.
ولكي يترجم هذا الموقف الرئاسي عمليًا، يقترح الكاتب أن يُدرج في مسار قانوني ودستوري عبر مجلس الوزراء، لتحديد طبيعة المفاوضات — مباشرة كانت أم غير مباشرة — وجدول أولوياتها الذي يتقدمه وقف الغارات اليومية، وتحديد جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وإطلاق الأسرى.
لكن العقبة الجوهرية التي تهدد أي مفاوضات تظلّ ملف سلاح حزب الله، إذ إن قدرة الدولة اللبنانية على فرض حصرية السلاح تبقى الأساس في نجاح أي مسار تفاوضي. فالنقاش حول شكل المفاوضات يصبح ثانويًا أمام هذا التحدي الجوهري.
ويُذكّر الكاتب بتاريخ طويل من المفاوضات بين دول متحاربة، بدءًا من مفاوضات باريس التي قادها هنري كيسنجر لإنهاء حرب فيتنام، وصولاً إلى تجارب أخرى أثبتت أن التفاوض مع الخصم قد يكون الطريق الوحيد نحو السلام، حتى لو بدأ عبر وسطاء.
اليوم، تختلف الظروف البرّية عن تلك التي رافقت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، إذ يتصرّف العدو الإسرائيلي كمنتصر يسعى لفرض شروطه، فيما تراجعت قواعد الردع المتبادل التي كانت قائمة في السابق. ومع ذلك، لا مفر أمام لبنان سوى خوض غمار المفاوضات، مهما كانت محفوفة بالمخاطر والضغوط، فـ«طريق جلجلة المفاوضات» — كما يصفه الكاتب — يبقى الخيار الوحيد لتجنّب الأسوأ.
