
أعاد «حزب الله» بكتابه المفتوح إلى الرؤساء الثلاثة رسم المشهد السياسي في لبنان على نحوٍ يُظهر إرادة للحسم خارج الأطر الدستورية، ويؤكد أن الملفات السيادية الكبرى ما زالت تُدار بعقلية أحادية بعيدة عن المؤسسية. فالبيان الذي اتّسم بلهجة حادة وغير مسبوقة منذ إعلان وقف إطلاق النار، شكّل عملياً بديلاً عن الردّ الرسمي الذي كان يُفترض أن يقدّمه الحزب إلى الموفدين الدوليين حول مسار التفاوض وحصرية السلاح.
وبدل أن يأتي الموقف ضمن نقاشٍ منظم داخل الحكومة أو عبر القنوات الرسمية للتشاور الوطني، اختار الحزب أن يوجّه رسالته العلنية إلى الرؤساء الثلاثة، قاطعاً الطريق أمام أي نقاش محتمل، ومستعيداً عملياً صلاحية القرار في الملفات المصيرية من رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي كُلّف سابقاً من «الثنائي الشيعي» بإدارة الحوار حول القضايا الوطنية الحساسة.
الرسالة، في رمزيتها وتوقيتها، تمثل انتقالاً من منطق الشراكة إلى منطق الإملاء، إذ حوّلت البيان إلى أداة لفرض موقف نهائي على الدولة، في لحظة كان يُفترض فيها أن يُطرح الملف داخل مجلس الوزراء لإقرار رؤية وطنية موحدة. فبينما استخدم الحزب في بيانه مفردات مثل «التفاهم الوطني» و«حماية السيادة»، فإن الشكل الذي اعتمده يناقض هذه الشعارات، بإقصائه دور المؤسسات الدستورية وإغلاقه باب النقاش الحكومي في ملفات التفاوض وآليات تثبيت وقف النار والتعامل مع الموفدين الدوليين.
الإشكالية الأساسية، بحسب مراقبين، لا تكمن في مضمون الموقف بل في طريقة إعلانه. إذ إن توجيه حزب يمتلك ذراعاً عسكرية رسالة بلغة تقريرية إلى الرؤساء الثلاثة يعني عملياً تحويل الخطاب السياسي إلى قرار فوقي، وإخضاع السلطة التنفيذية لأمر واقع جديد. وفي وقت كان رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام يسعيان إلى بلورة مقاربة مشتركة داخل الحكومة لمسار التفاوض، جاء بيان الحزب ليصادر هذا النقاش وليضع السلطة أمام معادلة ضيقة: إما مسايرة الحزب وإقفال الملف، أو مجابهته بما قد يفاقم الانقسام الداخلي ويشلّ عمل الحكومة.
كما حمل البيان رسائل مزدوجة إلى الداخل والخارج: في الداخل، تأكيد قاطع على أن لا تفاوض ولا نقاش في ملف السلاح، وأن «الحزب» وحده يملك حق تحديد توقيت طرح الاستراتيجية الدفاعية، في مخالفة صريحة لما نصّ عليه البيان الوزاري. أما في الخارج، فإشارة واضحة إلى أن لا مجال للوساطة أو الضغط، ما يصعّب مهمة الموفدين الدوليين، وبينهم مدير المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، الساعي إلى تثبيت التهدئة عبر مقاربة سياسية ودبلوماسية.
بهذا المعنى، تجاوز البيان مجرد التعبير عن موقف سياسي إلى إعلان فعلي لإغلاق أي مسار تفاوضي محتمل، وتحويل القضية من نقاش حكومي إلى موقف حزبي نهائي.
اللغة التصعيدية في البيان قد تُرضي جزءاً من جمهور الحزب، لكنها لا تبني سياسة وطنية متوازنة. فالدولة لا تُصان عبر رسائل فوقية تتجاوز مؤسساتها، بل من خلال حوار فعلي داخل هذه المؤسسات يضمن وحدة القرار ويعيد للدولة هيبتها كمرجعية وحيدة في شؤون الحرب والسلم. وما يحتاجه لبنان اليوم ليس مزيداً من المواجهات الخطابية، بل اتفاقاً سياسياً جامعاً يعيد الاعتبار للدولة كإطارٍ جامعٍ لا كمنبرٍ تُلقى عليه المواقف من خارجه.
المصدر: داوود رمال – نداء الوطن
