
اتفقت الأوساط السياسية اللبنانية على أنّ «حزب الله» أراد من خلال كتابه المفتوح إلى كلّ من رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة نواف سلام، توجيه رفضٍ غير مباشر للأفكار التي طرحها مدير المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، والتي كان يُفترض أن تُشكّل نواة لمبادرة مصرية تهدف إلى تحريك المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية بعد تعثر عمل لجنة «الميكانيزم» المولجة متابعة تنفيذ وقف الأعمال العدائية.
وبحسب مصدر وزاري تحدّث إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، فإنّ «الحزب» أبلغ الجانب اللبناني بردّه على هذه الأفكار يوم الثلاثاء، قبل أن يُدرجه لاحقاً ضمن كتابه العلني، متّهماً الحكومة بالتسرّع في تبنّي مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. وكشف المصدر أنّ «حزب الله» سلّم ردّه الرسمي قبل نشر الكتاب، معتبراً أنّ لا ضرورة للدخول في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل، طالما أنّ اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 برعاية «اللجنة الخماسية» كفيل بتنظيم هذا الالتزام، مشيراً إلى أنّ لبنان بدأ بتنفيذه فور إعلانه، فيما امتنعت إسرائيل عن تطبيقه.
ورفض المصدر التعليق على مصير الحوار القائم بين الحزب والرئيس عون أو على موقف رئيس المجلس نبيه بري من الكتاب، مكتفياً بالإشارة إلى أنّ «الحزب» يحاول كسب الوقت بانتظار تحوّلات إقليمية ودولية قد تصبّ في مصلحته، ولا سيّما إعادة إحياء المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة، بما يعيد لطهران حضورها الإقليمي عبر الملف اللبناني. وأضاف أنّ الحزب يخشى تكرار سيناريو غزة في لبنان، أي عقد مؤتمر برعاية أميركية – مصرية شبيه بمؤتمر شرم الشيخ لإنهاء الحرب، ما قد يفرض عليه تنازلات.
وأوضح أنّ «الحزب» استند في موقفه إلى استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة بعد إعلان وقف الحرب، معتبراً أنّ غياب أي ضغط أميركي على إسرائيل دليل على انعدام الضمانات بعدم تكرار السيناريو نفسه في الجنوب اللبناني. وسأل الحزب في رده عن «الضمانات التي تحمي لبنان من الانزلاق إلى مفاوضات سياسية مع إسرائيل في ظل استمرار العدوان الأميركي – الإسرائيلي على غزة».
أما في ما يخصّ التوقيت، فأشار المصدر إلى أنّ الحزب اختار إعلان كتابه بالتزامن مع انعقاد مجلس الوزراء، الذي كان يناقش تقرير قائد الجيش العماد رودولف هيكل حول تنفيذ حصرية السلاح في منطقة جنوب الليطاني. وخلال الجلسة، اقترح وزير الخارجية يوسف رجي إصدار بيان يردّ على كتاب الحزب لتعارضه مع البيان الوزاري الذي التزم به الحزب، غير أنّ الرئيس عون تدخّل وأعلن أنّه سيتولى الرد شخصياً «لأنّه يترأس الجلسة»، ما أنهى النقاش حول إصدار بيان رسمي.
وأكد عون في الجلسة التزام لبنان الكامل بتطبيق حصرية السلاح، معتبراً أنّ ما قامت به إسرائيل في الجنوب «جريمة مكتملة الأركان» تهدف إلى عرقلة أي مسار تفاوضي. وأشاد بتقرير العماد هيكل، نافياً أن يكون الجيش قد علّق مهامه جنوب الليطاني، مؤكداً استمرار التنسيق مع قوات «اليونيفيل» وتوسيع الانتشار باتجاه الحدود الدولية. واعتبر أنّ الغارات الإسرائيلية الأخيرة «رسالة ضغط سياسي» على لبنان للقبول بنزع سلاح الحزب.
وفي المقابل، طرحت الخطوة أسئلة عديدة أبرزها: ما هو موقف بري من الكتاب؟ ولماذا اختار الحزب توجيهه علناً وتجاهل قنوات التواصل المعتادة مع الرئيس عون؟ وهل يعكس هذا التوجّه تمايزاً واضحاً عن حليفه الاستراتيجي بري؟
فالمصادر المقربة من «الثنائي الشيعي» ترى أنّ «حزب الله» قرر التفرّد بموقفه، خلافاً لما التزم به سابقاً حين فوّض بري إدارة ملف التفاوض في ترسيم الحدود البحرية ووقف إطلاق النار. وتأسف هذه المصادر لأن الحزب لم يُفضّل تمرير موقفه عبر القنوات الداخلية، وتحديداً عبر الحوار القائم بين الرئيس عون ورئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد، أو عبر المستشار الرئاسي العميد أندريه رحال الذي يتولى عادة التنسيق بين الطرفين.
وتضيف المصادر أنّ هذا التصرّف يوحي بوجود تباين في الرأي بين الحزب والرئيس عون، خصوصاً بعدما دعا الأخير إلى التفاوض السلمي من دون أن يلقى أي تجاوب. وتشير إلى أنّ الحزب اختار الإعلان العلني بدلاً من تجديد تفويض بري الذي يتمتّع بعلاقة ممتازة مع الرئيس عون، ويُعتبر الأقدر على نقل هواجس الحزب وإيجاد أرضية مشتركة.
وتختم المصادر بالتساؤل: هل تمايز بري عن الحزب في رفضه تحريك الشارع وعدم انخراطه في دعم غزة سينسحب أيضاً على موقفه من كتاب الحزب إلى الرؤساء الثلاثة؟ أم أنّ الخلاف سيبقى ضمن حدود توزيع الأدوار بين «الثنائي»؟
المصدر: محمد شقير – الشر
