
خلصت جولة الوفد المالي الرسمي الأميركي في بيروت إلى وضع ملفّ بالغ التعقيد على طاولة كبار المسؤولين اللبنانيين، وُصف بأنه أولوية موازية لقضية «حصرية السلاح»، مع تحديد مهلة أولى لا تتعدّى الشهرين لتظهير مسار قانوني وإجرائي موثوق يهدف إلى تجفيف قنوات تمويل الإرهاب، وتحديدًا ما يتّصل بـ«حزب الله».
وبحسب ما رصدته صحيفة «الشرق الأوسط»، فقد شملت الجولة اجتماعات متعدّدة على المستويات الرئاسية والوزارية والنيابية، إضافة إلى حاكمية مصرف لبنان، وتمحورت حول ضرورة اتخاذ إجراءات صارمة لسدّ الثغرات التي تسمح بتسلّل التمويل لصالح الحزب ومؤسساته. وجرى التركيز على كبح الوسائل غير الخاضعة للرقابة، مثل شركات الصرافة وتحويل الأموال وعمليات الاتجار بالذهب والعملات المشفّرة، وفق ما أوضح وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية جون هيرلي، الذي زار لبنان ضمن وفد ترأسه نائب مساعد الرئيس الأميركي لشؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا.
وقال هيرلي إن الهدف هو «إنهاء نفوذ إيران الخبيث» عبر «حزب الله»، مؤكدًا أن بلاده «جادة للغاية في قطع مصادر تمويل الحزب» من داعمته طهران. وأشار إلى أن هناك «فرصة سانحة الآن، خصوصًا في الفترة التي تسبق الانتخابات النيابية المقبلة»، مشددًا على ضرورة التحرك السريع.
وتطرّق الوفد إلى ملف جمعية القرض الحسن، معتبرًا إياها «كيانًا مثيرًا للقلق»، وداعيًا إلى مقاضاة كل من يستخدمها لتمويل الحزب في خرقٍ للقوانين اللبنانية والعقوبات الدولية.
من جانبه، أكد الدكتور محمد بعاصيري، النائب السابق لحاكم مصرف لبنان والرئيس الأول لمجموعة العمل المالي الإقليمية (مينا فاتف)، أن للبنان مصلحة حقيقية في الاستجابة للمتطلبات الدولية لمكافحة الجرائم المالية والحد من الاقتصاد النقدي، لافتًا إلى أن هذه الخطوات تساعد في إخراج لبنان من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (فاتف) وتجنّب تصنيفات أسوأ.
وأوضح بعاصيري أن تجربة لبنان عام 2000، عندما أُدرج في اللائحة الرمادية، كانت مكلفة، وقد استغرقت عامين للخروج منها بعد اتخاذ إصلاحات مصرفية عميقة عزّزت نمو القطاع المصرفي اللبناني.
وتشير مصادر مطّلعة إلى أن المهلة الممنوحة للبنان تنقسم إلى مرحلتين:
- الأولى، تحضيرية تمتد حتى مطلع العام الجديد لإقرار تعديلات قانونية ومراسيم تطبيقية تضبط الانفلاش النقدي وتعيد الثقة بالقطاع المصرفي.
- الثانية، تمتد حتى الربيع المقبل لتقييم فعالية الإجراءات وتحديثها، تزامنًا مع الاجتماعات الربيعية لمجموعتي العمل المالي الدولية والإقليمية.
وأبدى الوفد الأميركي تشددًا واضحًا برفض أي أعذار أو مبررات لتأخير التنفيذ، مؤكدًا أن بعض التدابير المطلوبة تستهدف نزع الغطاء الرسمي عن مخالفات جسيمة تندرج ضمن القانون رقم 44 المتعلّق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
وفي المقابل، أبدى الوفد ارتياحًا نسبيًا لأداء مصرف لبنان، مشيدًا بتشدّد المصارف في تطبيق معايير «اعرف عميلك» ومكافحة غسل الأموال، ما يؤهلها لأدوار إضافية في إدارة المدفوعات التجارية والتحويلات الخارجية.
كما ناقش الجانبان تعزيز الرقابة على المرافئ والمطار وضبط الحدود البرّية مع سوريا لمنع تهريب الأموال والذهب والسلع غير المشروعة، في سياق جهود شاملة لضمان سلامة العمليات المالية وحماية الاقتصاد الوطني.
المصدر: علي زين الدين – جريدة الشرق الأوسط
