نتائج الانتخابات العراقية 2025:تفوّق السوداني والحلبوسي والبارزاني وسط غياب الصدر وتشتت القوى الإصلاحية

بقلم ندى جوني

توجّه العراقيون يوم الثلاثاء 11 تشرين الثاني 2025 إلى صناديق الإقتراع في سادس انتخابات برلمانية منذ غزو الولايات المتحدة الأميركية العراق وسقوط نظام صدام حسين عام 2003، وسط تحولات إقليمية كبرى وجذرية بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من مواجهات عسكرية اسرائيلية مع كّل من لبنان وإيران، وسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول2024. إلاّ أنه، وفي موازاة ذلك، عبّرت شخصيات عراقية بارزة عن تفاؤلها بالانتخابات البرلمانية ، داعية إلى مشاركة أوسع في العملية الديمقراطية التي تعدّ محطة جديدة في مسار التحول السياسي للبلاد.
ضمن الإطار نفسه، جرت العملية الانتخابية في أكثر من 8700 مركز اقتراع يضم نحو 39 ألف محطة، وبلغ عدد الناخبين المسجلين 22 مليوناً، غير أن التوقعات أشارت إلى انخفاض نسبة المشاركة بسبب مقاطعة التيار الصدري، إحدى القوى الشيعية المؤثرة في المشهد السياسي العراقي.

النتائج الأولية للإنتخابات العراقية

أعلنت المفوضية العليا للانتخابات مساء الأربعاء النتائج الأولية، حيث تصدّر ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني معظم المحافظات، مؤكداً استعداده لبدء مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، ومشيراً إلى انفتاحه على جميع الأطراف “بمن فيهم المقاطعون”.
بلغت نسبة المشاركة 56.11% من أصل 22 مليون ناخب مسجل، في انتخابات شملت 329 مقعداً برلمانياً، وأكدت المفوضية أن نتائج العدّ والفرز اليدوي كانت متطابقة بنسبة 100%.
وتوزعت النتائج وفق المحافظات على النحو الآتي:
• بغداد: الإعمار والتنمية أولاً، يليه “تقدّم” (الحلبوسي) ثم “دولة القانون” (المالكي).
• الجنوب الشيعي (النجف، كربلاء، المثنى، القادسية، بابل، ميسان، ذي قار): تصدّر الإعمار والتنمية، تلاه غالباً دولة القانون.
• البصرة: تقدّم تحالف “تصميم” أولاً، يليه “الصادقون”، ثم “الإعمار والتنمية”.
• المناطق السنية (الأنبار، صلاح الدين، ديالى): تفوّق تحالف “تقدّم” مع حضور ملحوظ للإعمار والتنمية.
• كردستان العراق: الحزب الديمقراطي الكردستاني أولاً في أربيل ودهوك، والاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية وكركوك.
وبحسب مصادر المفوضية، حصل ائتلاف الإعمار والتنمية على نحو 50 مقعداً، ما يجعله الكتلة البرلمانية الأكبر مبدئياً. ومع غياب أي أغلبية مطلقة، يُنتظر أن تبدأ مفاوضات معقدة لتشكيل التحالف الحكومي وفق الدستور الذي يكلّف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة المقبلة، وسط انقسام داخل الإطار التنسيقي الشيعي حول تجديد ولاية السوداني.

خريطة القوى والتحالفات

  1. القوى الشيعية: تشكّل الكتلة الأكبر في البرلمان رغم غياب التيار الصدري، ويبرز ائتلاف الإعمار والتنمية بقيادة السوداني المدعوم من الإطار التنسيقي، مع تركيزه على مشاريع البنى التحتية وتحسين الخدمات، فيما يسعى ائتلاف دولة القانون للمالكي لاستعادة النفوذ، وتراجعت قوى الدولة الوطنية بقيادة الحكيم بعد انسحاب العبادي، بينما تنافس قوى أخرى مثل عصائب أهل الحق وبدر والمجلس الأعلى ضمن الطيف الشيعي التقليدي.
  2. القوى السنية: شهدت إعادة تموضع بعد انتخابات 2021، مع بروز تحالف تقدم بقيادة الحلبوسي الذي يركّز على الهوية السنية وصلاحيات المحافظات، وتحالف السيادة الوطني – تشريع بقيادة الخنجر لاستقطاب العشائر السنية، في حين تظل قوى أصغر مثل العزم والحسم الوطني محدودة التأثير.
  3. القوى الكردية: يبقى المشهد الكردي محصوراً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة البارزاني، الذي يضمن حقوق الإقليم وحصته من الموازنة، والاتحاد الوطني بزعامة طالباني الذي يسعى لتعزيز نفوذه في السليمانية وكركوك، بينما تراجعت الأحزاب الصغيرة مثل حركة التغيير والجيل الجديد بعد انقسامات واعتقالات.
  4. القوى المدنية: عادت بعد مقاطعة انتخابات 2021 لإحياء روح احتجاجات تشرين، ويبرز تحالف البديل بقيادة الزرفي الذي يضم الحزب الشيوعي والبيت الوطني والحركة المدنية الوطنية، إلى جانب التحالف المدني الديمقراطي بقيادة الرفيعي الذي يركز على الدولة المدنية ومكافحة الفساد.
  5. الأقليات والتحالفات الخاصة: تشارك في الإنتخابات تحالفات تمثل الأقليات الدينية والإثنية أبرزها تحالف القضية الإيزيدية الذي يطالب بتعويض ضحايا تنظيم “داعش” وضمان تمثيل سنجار سياسياً. كما يخوض التحالف المسيحي الإنتخابات بمشاركة المجلس القومي الكلداني، حركة تجمع السريان، الاتحاد الديمقراطي الكلداني، الجمعية الأرمنية، وتيار شلاما والرابطة الكلدانية العالمية، في محاولة للحفاظ على تمثيلهم البرلماني رغم التراجع الديمغرافي.

القانون الانتخابي الجديد: تكريس للنظام القديم رغم وعود الإصلاح

أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2025 أن التعديلات التي أُقرت على قانون الانتخابات عام 2023 لم تُحدث تغييراً جوهرياً في بنية التمثيل السياسي، بل أعادت إنتاج القوى التقليدية ذاتها. فاعتماد كل محافظة دائرة انتخابية واحدة وفق نظام سانت ليغو المعدل (1.7) ساهم في تعزيز حضور الأحزاب الكبرى وتراجع المستقلين والحركات المنبثقة عن احتجاجات تشرين 2019، التي لم تتمكن من تحقيق اختراق ملموس.
وبينما اعتبرت المفوضية العليا أن النظام الجديد أسهم في استقرار العملية السياسية، متجنباً تشتت الأصوات، يرى مراقبون أن الاستقرار المزعوم جاء على حساب التعددية والتجديد الديمقراطي، إذ أفرزت النتائج خريطة سياسية شبه مطابقة للدورات السابقة، مع سيطرة النخب القديمة وتراجع الأصوات الإصلاحية.

الطائفية السياسية: عودة إلى الواجهة بعد دورة 2021

جاءت نتائج الانتخابات لتؤكد ما كان واضحاً منذ الحملات الانتخابية: تصاعد الخطاب الطائفي وتراجع البعد الوطني. فالأحزاب الشيعية والسنّية والكردية خاضت الانتخابات على أساس الهوية ، ونجحت في تعبئة قواعدها التقليدية أكثر من استقطاب ناخبين جدد. وقد كرّست الشعارات الانتخابية هذا الانقسام، إذ سعى كل زعيم إلى تأكيد تمثيله لبيئته الطائفية والمناطقية، في حين غابت النقاشات حول الإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد.

التحولات الإقليمية: بين تراجع النفوذ الإيراني ومحاولات واشنطن للعودة

تكشف نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2025 عن مشهد سياسي ما زال أسير توازنات داخلية هشة وتقاطعات إقليمية معقّدة. فعلى الرغم من الوعود بالإصلاح وتجديد الحياة السياسية، أعادت النتائج إنتاج البنية ذاتها التي حكمت العراق منذ عام 2003. ومع استمرار غياب التيار الصدري عن المشهد، تبدو الساحة الشيعية منقسمة وضعيفة أمام التحديات المقبلة، فيما تراقب القوى الكردية والسنية التطورات لتحديد موقعها ضمن خريطة التحالفات القادمة.
وعليه، يبدو أن مستقبل العراق في المرحلة المقبلة لن يتحدد عبر صناديق الاقتراع وحدها، بل عبر التفاهمات الإقليمية بين واشنطن وطهران.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top