
يسعى لبنان رسميًا إلى الخروج من لعبة المحاور التي استنزفت بنيته الداخلية وجرّت ساحته إلى صراعات خارجية انعكست سلبًا على اقتصاده واستقراره وموقعه الإقليمي. وقد تحوّل هذا التوجّه من مجرد شعار سياسي إلى مسعى منهجي تعمل عليه مؤسسات الدولة بدعم من الرؤساء الثلاثة والقوى السياسية، بهدف إعادة تموضع لبنان كدولة ذات سيادة مستقلة ترتبط بعلاقات متوازنة مع محيطها العربي والدولي وفق منطق المصالح الوطنية.
في هذا الإطار، بدأت تظهر ملامح تقارب جديد بين المكوّن الشيعي من جهة، والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى، بعد سنوات من التوتر وسوء الفهم. كما يجري العمل على صياغة مقاربة تدريجية تجاه سوريا، يقودها المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير بتكليف من الرؤساء الثلاثة، لترميم العلاقات على أساس الاحترام المتبادل للسيادة.
لكن هذا المسار يضع «حزب الله» أمام اختبار حاسم يتمثل في تحمّل مسؤولية حماية لبنان لا زجّه في صراعات جديدة. والمطلوب التزام مبدأ تحييد لبنان عن النزاعات الإقليمية، بما يحمي البلاد من الانهيار ويعزز خيار الاندماج في مشروع الدولة.
ولإنجاح هذا التوجّه، يشدد الخبراء على ضرورة توفير ضمانات حقيقية للمكوّن الشيعي، من خلال ترسيم الحدود مع سوريا، وضبط المعابر عبر جيشين نظاميين، واستكمال تثبيت الحدود مع إسرائيل وتنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، بما يسمح ببناء أمن مستدام واستعادة الدولة لقرارها السيادي الكامل.
عندها، يصبح الانخراط الكامل في مشروع بناء الدولة واجبًا وطنيًا، على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات، والعودة إلى نهج الإمام موسى الصدر الذي دعا إلى مأسسة حضور الشيعة داخل الدولة لا خارجها.
ويرى الكاتب أن كل المبادرات العربية والغربية تتقاطع اليوم عند هدفٍ واحد: تثبيت وقف الأعمال العدائية، ترسيم الحدود، سحب الفصائل المسلحة، ونشر جيشين نظاميين، وصولًا إلى إدماج “حزب الله” في مشروع الدولة، كمسار إلزامي لا خيار سياسي.
ويؤكد أن هذا التوجّه لا يتناقض مع الحفاظ على علاقة طبيعية مع إيران، شرط أن تمرّ عبر الدولة اللبنانية وحدها، وهو المنهج الذي يتبناه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في نظرته إلى لبنان، باعتباره شريكًا يُخاطب من خلال الدولة لا الأحزاب.
بهذا المعنى، يقف لبنان أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء توازنه الداخلي وتعزيز علاقاته العربية والدولية، في خطوة قد تمهّد للخروج من عقود من الأزمات والانقسامات التي كبّلته وأرهقت شعبه.
المصدر: داوود رمال – صحيفة نداء الوطن
