
بقلم ندى جوني
يقف لبنان اليوم على عتبة من تحوّلات سياسية واقتصادية دقيقة ومهمة جداً. حيث شهد لبنان انعقاد “مؤتمر بيروت 1” يوم الثلاثاء 19 تشرين الثاني 2025، كإشارة أولى إلى محاولة فعلية لإعادة وصل ما انقطع بين الدولة و المستثمرين. ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذا المؤتمر ليس الأول من نوعه، فقد سبقه مؤتمرات كثيرة ولا سيّما مؤتمرات باريس و سيدر.
إلاّ أن اللافت اليوم أن توقيت المؤتمر مهم جداً في بلد ما زالت تثقله أزماته الإقتصادية المتلاحقة والإنهيار المالي الكبير الذي بدأ عام 2019. فقد بدا لبنان كأنه يستعيد شيئاً من نبضه عبر حدث جمع أكثر من 900 مشارك و150 مستثمراً عربياً ودولياً في واجهة بيروت البحرية، تحت شعار “الثقة المستعادة لإعادة تحفيز الاستثمار في الاقتصاد اللبناني”.
لم يكن المؤتمر مناسبة بروتوكولية بقدر ما كان اختباراً لصدقية الدولة اللبنانية في فتح فصل جديد من الإصلاح الاقتصادي. فاللحظة كانت تتطلب خطاباً واقعياً، يوازن بين التحديات الثقيلة والفرص الكامنة، وبين الحاجة إلى جذب استثمارات جديدة وقدرة المؤسسات الرسمية على توفير بيئة آمنة وشفافة. وقد شكّل حضور وفود خليجية سعودية – تحديدًا – وغربية لافتة إشارة رمزية إلى أن لبنان ما زال يملك نافذة يمكن البناء عليها، إذا ما ثبّت التزامه بالإصلاحات وبتجديد الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص.
الإطار العام للمؤتمر
انعقد المؤتمر برعاية رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الذي أكد في كلمته الافتتاحية أن اللقاء يتجاوز كونه مؤتمراً اقتصادياً، ليصبح بداية فصل جديد من نهضة لبنان، مشدداً على أنّ الدولة دخلت فعلياً في مسار إصلاحات حقيقية عبر قوانين تعزّز الشفافية وتفعيل هيئات الرقابة، إضافة إلى إعادة بناء المؤسسات على أسس الكفاءة وسيادة القانون. كما شدّد الرئيس عون على ضرورة إعادة وصل لبنان بمحيطه العربي والدولي وفتح شراكات جديدة، مؤكداً أنّ النمو لن يصنعه القطاع العام وحده ولا القطاع الخاص منفرداً، بل الشراكة بينهما عبر مشاريع إنتاجية مستدامة.
من جهته، رأى وزير الاقتصاد عامر البساط أنّ المؤتمر ليس بداية تقنية فحسب، بل انطلاقة سياسية واقتصادية لمسار جديد يقوم على استعادة الثقة بين الدولة والمواطنين والمجتمع الدولي، مؤكداً أنه ليس مؤتمراً للتسوّل، بل خطوة لبنانية صرفة نحو بناء بيئة استثمارية جدية.
محور البنية التحتية والأشغال العامة
1- إعادة بناء رأس المال والبنية التحتية: افتتحت أعمال المؤتمر بعنوان ” إعادة بناء رأس المال: البنية التحتية والأشغال العامة الضخمة” ، حيث شدّد وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني على أنّ لبنان بلد غني بموارده لكنه مُنهك بسوء الإدارة. وكشف عن سعي الوزارة لإدخال إيرادات تقدَّر بملياري دولار، لافتاً إلى وجود شركات مهتمّة بالاستثمار في تشغيل مطار رينيه معوّض ضمن رؤية أوسع لتحديث المرافق العامة وإدارتها.
ومن جانبه، أكّد المستثمر العالمي صادق وهبة أن أي استثمار يحتاج إلى قضاء مستقل وبيئة سياسية مستقرة، معتبراً أن الإصلاح القضائي هو أساس جذب الرساميل.
2- الاتصالات – من مورد للدولة إلى محرّك للنمو: تطرّقت الجلسة الثانية إلى الاستثمارات الرأسمالية والقطاع الرقمي، حيث أعلن وزير الاتصالات شارل الحاج عن رؤية وطنية جديدة للقطاع، تهدف إلى تحويله من مورد مالي للدولة إلى محرك فعلي للنمو الاقتصادي. مؤكداً على أن حضور شركاء إقليميين ودوليين، خصوصاً من المملكة العربية السعودية، يعكس ثقة بقدرة لبنان على إعادة بناء عموده الرقمي وتحفيز شراكات تقنية حديثة.
3- السياحة والتجارة – استثمار في الهوية اللبنانية: ناقشت الجلسة الثالثة تحديات قطاعات السياحة والضيافة والتجارة. وأوضحت وزيرة السياحة بورا الخازن لحود أن السياحة بقيت من القطاعات القليلة التي حافظت على تماسكها رغم الأزمة، مؤكدة أهمية إشراك المغترب كشريك اقتصادي وسفير للسياحة، عبر تقديم حوافز مالية وتفعيل دور السفارات في دعم هذا القطاع الحيوي.
4- التكنولوجيا والذكاء الصناعي – نحو اقتصاد رقمي: في الجلسة الرابعة بعنوان ” بيئة التكنولوجيا والشركات الناشئة النابضة بالحياة “، أشار وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا كمال شحادة على ضرورة تحديث التشريعات اللبنانية بشكل جذري لضمان بيئة مؤاتية للشركات الناشئة، حيث تحددت أبرز نقاطه من خلال إطلاق صندوق النهضة الرقمية لدعم الشركات التكنولوجية، والعمل على هوية رقمية وطنية، والحاجة إلى بنية تحتية للذكاء الصناعي. كما دعت شركات لبنانية رائدة إلى تشريعات متقدمة للذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن المستثمرين جاهزون وأن المطلوب هو قرار سياسي وبنية تحتية عصرية، -خصوصاً- في ما يتعلق بالإنترنت السريع والألياف الضوئية.
5- الصناعة – ركيزة صامدة في وجه الأزمات: تناولت الجلسة الخامسة، بعنوان ” صُنع في ومن قبل لبنان “، دور القطاع الصناعي في النهوض الاقتصادي. ضمن الإطار نفسه، أشار وزير الصناعة جو عيسى الخوري أكد أن القطاع الصناعي أكبر ربّ عمل ويساهم بـ3 مليارات دولار في الصادرات، مشدّدًا على أن حصرية السلاح بيد الجيش شرط أساسي لضمان المساعدات الدولية.
كذلك، أكد نعمة إفرام أن لبنان بلد صناعي بامتياز، وأن الصناعة هي أساس أي اقتصاد متين. بالإضافة إلى التركيز على الصناعات الزراعية المبتكرة، وتصنيع الروبوتات، وتعزيز الصناعة الحرفية.
الجلسة الختامية
خُتم المؤتمر بحضور رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الاقتصاد عامر البساط ومدير المجلس الاقتصادي الاجتماعي شارل عربيد الذي أكد أنّ ما سُمع خلال يومين من مداخلات وخطط عمل يُظهر وجود إرادة فعلية للإصلاح، ويجعل من المؤتمر “محرك طاقة جديدة” يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة. وشدّد عربيد على أنّ الاستقرار ليس شعاراً عاماً، بل هو عمل سياسي واقتصادي واجتماعي متكامل، يتطلّب قرارات جريئة وواقعية في التعامل مع التحديات القائمة، ولا سيما في القطاعات الإنتاجية والبنى الأساسية.
كما دعا إلى الاستفادة من الزخم الذي ولّده المؤتمر لترجمة الأفكار المطروحة إلى خطوات عملية، مؤكداً أنّ اللحظة الراهنة تتطلب توحيد الجهود والانتقال من التشخيص إلى التنفيذ الفعلي.
بين الوعود والتنفيذ… هل يشكّل “بيروت 1” منعطفاً حقيقياً؟
يحمل مؤتمر “بيروت 1” رمزية واضحة في لحظة سياسية واقتصادية دقيقة، إذ أعاد جمع الدولة والمستثمرين حول طاولة واحدة، وأعاد طرح لبنان كملف قابل للإنقاذ لا كقضية خاسرة. لكن القيمة الحقيقية للمؤتمر ستظهر فقط في المرحلة اللاحقة، من خلال قدرة الحكومة على تحويل ما طُرح من رؤى إلى خطوات تشريعية وتنفيذية ملموسة، خصوصاً في القضاء، البنى التحتية، والاتصالات. فالمستثمرون أبدوا استعدادهم، والقطاع الخاص أعلن جهوزيته، لكن الشرط الأساس يبقى بيئة سياسية مستقرة وإدارة قادرة على تنفيذ الالتزامات.
وهنا يتحدّد مصير المؤتمر: إما أن يكون نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الإصلاح الجدي، أو أن يلتحق بسلسلة مؤتمرات سابقة بقيت نتائجها محاصرة في حدود الخطابات.
