
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
كتب أستاذنا الدكتور محمد يوسف الحجيري بأسلوب رفيع وراقي، يمزج بين الرؤية العلمية والعمق الثقافي، فيقدّم قراءة متفحصة لمأساة العربية وحاجتنا إلى استرجاع تراثنا العلمي والمعرفي:
“نعم يا صديقي، كل ما كتبته عن جمال لغة الضاد صحيح ولكن لغتنا يتيمة لأننا لسنا بأهل لها. لقد كانت العربية الحبيبة لغة العلم لحقبة من الدهر تقارب الثمانية قرون، وتخلفنا جعلنا نفقد قاموسنا العلمي… أما الغرب فربما عادانا، ولكنه لم يعاد لغتنا يوماً، بل حافظ عليها وعلى مخطوطاتها التي لا تُقدّر بثمن؛ لما تختزنه من المعارف والعلوم، والتراث الحضاري الذي يتعدى بجوهره مفهوم القوميات والانتماء العرقي والديني، ليطال البعد الحقيقي للبشر، وهم يواجهون بالفكر والبحث العلمي جبروت الطبيعة فيسخرون قوانينها… أنا على يقين مثلا يا صديقي أن ما تصرفه دولة كفرنسا في عام واحد على التراث العلمي العربي قد يساوي أضعاف ما صرفته أمتنا على التراث على مدار قرن ولماذا يا ترى؟ لأن في ذلك فائدة علمية كبيرة يا صديقي، مرتبطة أقله بالبـعد المعرفي لتكون الحضارة. حتى أن الأمريكيين والأوروبيين يتسابقون وفق ما خيل إلي في دراستهم التراث العلمي العربي… علينا أن نسترجع قاموسنا العلمي المدفون في مئات ألوف المخطوطات العربية المبعثرة في مكتبات دول المعمورة، وأعتقد أنه لا يمكننا النهوض العلمي قبل إحياء تراثنا… مهمة صعبة لا يمكن إيكالها إلى حكام يَنحصر همُّهم الأوحد في البقاء في السلطة… إن تهميش العربية هو تهميش سفيه للحضارة البشرية. وأعتقد أن المخزون الحضاري الذي كُتب بالعربية لا يضاهيه مخزون حتى الآن، على الرغم من تطور وسائل المعلوماتية وسوى ذلك.”
أستاذي الدكتور حجيري،
حين ننظر إلى العربية اليوم، نجدها واقفة على أطلال التاريخ، تتنفس عبق الأمجاد، لكنها تائهة بين صدى الأمس وغربلة الحاضر. إنها لغة أرملة، ليس لأنها فقدت جمالها أو صرامة قواعدها، بل لأننا نحن الذين تركناها بلا حضن، بلا مشروع، بلا قيادة علمية تقودها إلى غدها. لقد كانت العربية، عبر ثمانية قرون، لغة العقل الحر؛ لغة الطب والفلسفة والفلك والهندسة، لغة من واجه الطبيعة بلا خوف، وسخر قوانينها ليس للخضوع، بل للبناء والاكتشاف والتجربة.
واليوم، بينما يرفع العالم تراثنا في منابر حضارته، نراها نحن مرآة مكسورة تعكس عظمة الماضي بلا نور يقودنا إلى المستقبل، حاضنة الأفكار دون أن تغذي الابتكار، صدى العقل العربي بلا صوته على المسرح الذي أنشأه.
إن العربية ليست مجرد كلمات أو نصوص، إنها نهر من الفكر والتجربة، وإذا ما سُمح له بالانسياب مرة أخرى، يمكنه أن يعيد بناء حضارة، لا أن يبقى إرثًا يُستعرض في المتاحف أو يُدرس في الكتب فحسب.
ابن رشد… العقل الذي انتقل بين الحضارات
ابن رشد، العقل الأندلسي، ليس مجرد مفكر في التاريخ، بل جسر بين حضارات وأزمان. ما حدث له ولغيره من فلاسفة وعلماء العرب هو ما يمكن أن نسميه الاستعارة المعكوسة للمعرفة: الغرب لم يكتفِ بحفظ تراثنا، بل زرع بذوره في أرضه، ونماها في حضارته، ثم أعاد تقديمها لنا، لكن في صورة أوروبية مغلفة، تجعل إنجازاتنا تبدو وكأنها اختراعاتهم الخاصة.
تخيّل لوحة “مدرسة أثينا” لرافائيل: فلاسفة اليونان يتلألأ نورهم في الصف الأمامي، بينما فلاسفة العرب الذين نقلوا العلوم وأضافوا إليها، من ابن رشد إلى الفارابي وابن سينا، مختفون في الظل، مسحوقون بين إطار الفن والتاريخ. التاريخ يعيد نفسه: الفكر العربي يبقى خلف الستار، بينما العالم كله يتغذى من ثمار جهودنا ويحوّلها إلى ابتكارات وتقنيات تغذي حضارته.
هكذا، يبقى السؤال قائماً: هل سنستعيد يومًا ما مكانتنا على المسرح الذي أنشأناه بأنفسنا؟ أم سيظل عقلنا الأندلسي محاصرًا في الظل؟
الحبل السري المقطوع: حين تفقد اللغة دورها المحوري
هذه ليست مجرد فجوة بين الأمس واليوم، بل هي إعلان قطيعة متعمدة. لقد فُصلت اللغة عن دورها الحياتي، فتحوّل التراث إلى صنم يُعبد في المحراب السلفي، وإلى مقتنيات عتيقة في المتحف العلماني. ونتيجةً لذلك، أصبحت اللغة العربية في حالة تشرُّد معرفي، فقدت معها القدرة على أن تكون مصدر الإبداع ورافعة تطوير العقل. وعلى النقيض تماماً، فإن دولاً كالصين واليابان تُبقي لغتها الأم في صدارة المشهد كأداة رئيسة لتعليم أحدث العلوم. أما في واقعنا المأزوم، فيُجبر الطالب على العيش تحت وطأة ازدواجية مُدمّرة؛ يتعلم “الكبد” في سياق، ثم يُلقَّن “The Liver” في سياق آخر، فتتجسّد بذلك ازدواجية معرفية قاتلة تحطّم المنطق السليم وتلغي أي تسلسل زمني أو ترابط في بناء الفكر.
الاستعمار اللغوي الجديد ودور النخب
الدبابات لم تعد أداة الاستعمار، بل عقود الترجمة والمنح الدراسية، وبرامج التمويل البحثي. النخب العربية، بدل أن تكون قائدة للنهضة ومفكّرة استراتيجية، أصبحت وسيطًا ثقافيًا سلبيًا: تتقن لغات الآخر، وتترجم إنتاجه، لكنها لا تنتج علمًا بلغتها الأم. النتيجة أن العربية تتحول إلى لغة استهلاك، لا إنتاج، لغة قراءة التاريخ لا صناعة المستقبل.
المأساة تكمن في أن هذا الدور يكرّس التبعية الفكرية: مؤتمرات النهضة تُعقد بالإنجليزية، بحجة “جذب الخبراء”، وكأن العالم لا يستطيع تعلم لغتنا، بينما نحن نعرف لغتهم ونتقنها، لكننا نسلم أدواتنا المعرفية لهم بدل أن نكون نحن مصدرها. النخب، التي من المفترض أن تكون رافعة للهوية العلمية والثقافية العربية، أصبحت في الواقع حلقة نقلية لتجارب الآخرين، من دون إنتاج مستقل ولا رؤية استراتيجية.
إن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه النخب إلى قادة معرفيين: من وسطاء ثقافيين إلى صانعي علم ومعرفة، يعيدون للعربية دورها الريادي في الإنتاج، والابتكار، والنهضة العلمية الحديثة.
اقتصاديات المعرفة: التراث بين بذرة الابتكار ونفط السياحة
ينظر الغرب إلى التراث العربي على أنه “بترول فكري”، ويعي تمامًا قيمته في اقتصاديات المعرفة. كل مخطوطة قديمة، وكل نظرية أو اختراع من الماضي، بالنسبة لهم ليست مجرد أثر تاريخي، بل بذرة يمكن أن تتحول إلى دواء مبتكر، أو تكنولوجيا متقدمة، أو مشروع بحثي ثوري. التراث لديهم مورد حي، يغذي الابتكار والريادة الاقتصادية.
أما نحن، غالبًا ما نحصر التراث في صورته التقليدية: نفط للسياحة، أو إرث جامد يُعرض في المتاحف. وهنا يكمن الداء؛ فبدلًا من أن يكون التراث محركًا للابتكار والتنمية الحديثة، يتحول إلى رمز جميل، لكن معزول عن الاقتصاد الحقيقي.
أمثلة حية على الفرص الضائعة:
تحويل خوارزميات الخوارزمي إلى تطبيقات حديثة في علوم البيانات،
اعتماد منهجيات ابن سينا في الطب التجريبي كأساس للأبحاث الدوائية،
تحويل اختراعات الجزري الهندسية إلى نماذج صناعية وتقنيات متقدمة.
في العالم العربي، ومع الأسف، تبقى هذه الإنجازات غالبًا رموزًا تاريخية فخمة تُرفع على اللافتات، دون أن تتحول إلى قيمة اقتصادية ملموسة أو ابتكارات تغذي الناتج المحلي الإجمالي.
الخلاصة: حان الوقت للانتقال من مرحلة تداول التراث كمحتوى سياحي جامد إلى مرحلة تفعيله كمحفز اقتصادي وابتكاري قادر على دفع المنطقة نحو الريادة العالمية.
العربية: بنية برمجية لقيادة المستقبل الرقمي
اللغة العربية هي أكثر من مجرد نظام صوتي وحرفي؛ إنها منطق حسابي عميق وبنية اشتقاقية ذات كفاءة فائقة. تكمن قوتها الحقيقية في جذورها الثلاثية وقواعدها الصارمة التي تشكل نظامًا شبيهًا بـخوارزمية طبيعية غنية بالبيانات.
إن استثمار هذه البنية الاشتقاقية والجذرية المتشابكة يمثل كنزًا ثمينًا لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي (AI) والـبرمجة اللغوية العصبية (NLP). هذا التحول يجعل العربية لغة إنتاج معرفي وريادة رقمية، ويحولها من لغة محتوى تقليدي إلى لغة قيادة تقنية قادرة على تشكيل مستقبل الإنترنت المعرفي.
من التراث إلى الابتكار: المخطوطات كحاضنة للمعرفة العملية
التراث العربي ليس مجرد أرشيف يُحفظ في المتاحف، بل هو خزان معرفي غني يمكن تحويله إلى مشاريع علمية وتطبيقية حقيقية. المخطوطات ليست نصوصًا جامدة تُقرأ، بل وصفات قابلة للتجربة والتطوير، وآلات ابن إسحاق الحسن بن عبد الله الجزري (1136–1206م) ليست رسومات فنية فحسب، بل نماذج هندسية دقيقة يمكن إعادة تصميمها وفق معايير العصر الحديث.
الجزري كان عالمًا ومهندسًا بارعًا، جمع بين الدقة العلمية والفن والجمالية في اختراعاته الميكانيكية، من الساعات المائية إلى المضخات الذكية والألعاب الميكانيكية، وكانت اختراعاته سلفًا للروبوتات والآلات الذكية الحديثة.
من خلال مراكز بحث متخصصة ومشاريع تطبيقية، يمكن استخراج العلوم الكامنة في كتب ابن سينا والخوارزمي وابن الهيثم، وتحويلها إلى ابتكارات في الطب والهندسة والفيزياء والبرمجة. بهذا، يتحول التراث من مجرد إرث ثقافي إلى حاضنة للإبداع والاختراع، ورافد حي للنهضة العلمية الحديثة.
مشروع “الترجمة العكسية”
استرداد الهوية والسيادة المعرفية
إنّ الاكتفاء بالترجمة باتجاه واحد يمثل خضوعاً وشكلاً من أشكال الخيانة المعرفية. لم يعد الهدف كافياً، بل أصبح إلزاماً استراتيجياً يقضي بضرورة توجيه الجهود نحو ترجمة الإنتاج العلمي والفكري العربي الحديث إلى اللغات الأجنبية. يرتكز هذا المشروع على قاعدة صارمة: يجب أن يكون النشر الأولي والأساس حصراً باللغة العربية، لتصبح اللغات الأخرى مجرد وسيلة للنقل اللاحق. هذا التحول الجذري هو مفتاحنا لإجبار العالم على احترام لغتنا، ليس لجمالها فحسب، بل كقوة محركة وفاعلة و منبع أصيل للإنتاج المعرفي العالمي.
عصرنة المناهج: اللغة الأم أداة للتفكير والإبداع
لتجاوز الازدواجية المعرفية التي تعيق التطور العقلي للطالب، يجب أن تصبح العربية واجهة التفاعل الأساسية بين الطالب والمحتوى العلمي، من الروضة إلى الدراسات العليا. هذا لا يعني مجرد ترجمة المصطلحات أو حفظ القواعد، بل بناء محتوى علمي رقمي، تفاعلي وعصري يتيح للطالب استكشاف العلوم والتكنولوجيا والفنون بلغة يفهمها ويفكر بها.
عندما يرى الطالب أن أحدث النظريات في الفيزياء، أو علوم الكمبيوتر، أو الذكاء الاصطناعي تُدرس بلغة عربية حية، جذابة، وقريبة من تجربته اليومية، تتحول اللغة من وسيلة تقليدية إلى أداة إنتاج معرفي وابتكار حقيقي. بذلك، تصبح العربية جسرًا يربط بين التراث والإبداع، بين الماضي والمستقبل، بدل أن تبقى مجرد مادة تُدرس أو هوية تُحفظ.
من مرثية الحروف إلى قيادة المعرفة
المأساة ليست في شيخوخة التراث، بل في حداثة مشوهة نعيشها، حيث نتبنى منتجات الآخر النهائية ونرفض أدواته الفكرية. الغرب أخذ من تراثنا “المنهج” وترك لنا “النص”، وحوّل إرثنا إلى مادة خام لابتكاراته، بينما نحن ما زلنا نكتفي بالمرثيات والمحافل الرمزية.
النهضة الحقيقية لن تبدأ بإحياء النص فقط، بل تتطلب ثورة معرفية شاملة تشمل:
تحويل التراث إلى معرفة تطبيقية وبراءات اختراع، بحيث تصبح المعرفة القديمة أدوات للإبداع والتطبيق العلمي، لا مجرد مواد للتأمل التاريخي.
مشروع الترجمة العكسية لنشر الإنتاج العلمي العربي عالميًا، ليصبح الباحث العربي والمختبر العربي مركزًا للمعرفة، وليس مجرد متلقي للثقافات الأجنبية.
عصرنة المناهج واعتماد اللغة الأم كأداة للإنتاج والمعرفة، بحيث تصبح العربية الواجهة الطبيعية للتفاعل مع العلوم، من الروضة إلى الدراسات العليا، ومن المختبر إلى الفضاء الرقمي.
