
لم تكن زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان عام 1997 مجرد محطة كنسية، بل لحظة تاريخية أعادت تكريس هوية لبنان بوصفه وطن الإنسان والحرية والتعددية والشراكة. فالزيارة التي تأجلت ثلاث سنوات بعد حملة تخوين شنّتها الأصولية الإيرانية بسبب التبادل الدبلوماسي بين الفاتيكان وإسرائيل، تحققت أخيرًا عام 1997 لتُطلق العبارة الشهيرة: «لبنان أكثر من وطن… إنه رسالة».
لكن «لبنان الرسالة» الذي أراده البابا لا يشبه «لبنان الخمينية» الذي تروّج له منظومة «حزب الله». فبينما تنطلق الرؤية الفاتيكانية من الإنسان كقيمة مطلقة وغاية في ذاته، تستند الرؤية الخمينية إلى تحويل الإنسان إلى أداة قتال وموت، تُستخدم لخدمة مشروع عقائدي عابر للحدود.
ففي فلسفة الكنيسة الكاثوليكية، السياسة وسيلة لضمان كرامة الإنسان وحريته وأمنه، أما في نهج «حزب الله»، فالحرب غاية بحد ذاتها، والشهادة تُقدَّم على الحياة، والثورة الدائمة تُستَخدم لتبرير الفوضى وتغذية الصراع المستمر.
ورغم أن كلاً من الفاتيكان والنهج الخميني يحمل بعدًا «أمميًّا»، إلا أن الفارق بينهما جوهري: فالأممية الفاتيكانية تسعى إلى بناء دول مستقرة تحمي الإنسان وتنشر ثقافة السلام، بينما الأممية الخمينية تقوم على زعزعة الدول ونشر الحروب وإضعاف المجتمعات.
من هنا، تبدو مفردات «العيش المشترك» و«حقوق الإنسان» التي يستخدمها «حزب الله» مجرّد عناوين لا تمت إلى ممارساته بصلة. فهو أول من قوض السيادة الوطنية وكرّس ازدواجية الحكم، وأول من أضرّ بالوجود المسيحي من خلال تأجيج الأزمات وضرب الاستقرار. وكلّ من تحالف معه من القوى المسيحية شارك، عن قصد أو عن عجز، في تهميش القضية المسيحية الحقيقية التي جوهرها قيام الدولة لا الدويلة.
بين «لبنان الرسالة» الذي بشّر به يوحنا بولس الثاني و«لبنان العنف» الذي تشكّل تحت عباءة «حزب الله»، تمتدّ مسافة حضارية وثقافية هائلة. فلبنان ما قبل تمدّد مشروع الممانعة كان بلد الانفتاح والازدهار، أما لبنان الخمينية فهو بلد الحروب والاغتيالات وتعطيل الدولة.
إنه صراع هويتين:
- رؤية تعتبر الإنسان قيمة مطلقة مقدسة، ضمن ثقافة حياة.
- ورؤية تجعل الإنسان وقودًا لحروب لا تنتهي، ضمن ثقافة موت.
من هذا المنطلق، فإن رسالة «حزب الله» إلى البابا لا تعبّر عن جوهره، بل عن محاولة تلميع وتضليل. فلبنان الرسالة لا يمكن أن يشبه لبنان «الحزب»، ولا يمكن أن يجتمع بابا الإنسانية مع فكر الخميني والخامنئي. فالصراع الحقيقي هو بين من يريد الإنسان حرًّا في دولة فعلية، ومن يريد تحويله إلى أداة في مشروع فوضوي قاتل.
المصدر:
شارل جبور – نداء الوطن
