زيارة البابا لاون الرابع إلى لبنان:رسائل واضحة ومباشرة للسلطة اللبنانية والمجتمع الدولي : اجنحوا للسلام!..

بقلم ندى جوني

في زيارة غير مسبوقة، من الواضح أنها تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز طابعها البروتوكولي، وصل البابا لاون الرابع إلى لبنان في 30 تشرين الثاني 2025، بعد زيارته إلى تركيا، في وقت يشهد فيه لبنان واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات. فالحدود الجنوبية ما زالت تحت الخروقات الإسرائيلية المتواصلة رغم اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، فيما تتصاعد التحذيرات الأميركية والإسرائيلية من تفجير محتمل إذا لم تتعامل الدولة اللبنانية بجدّية مع ملف نزع سلاح حزب الله قبل نهاية العام. إذاً، وفي خضمّ المشهد الملبّد بالضغط والتهديد، تبرز زيارة البابا كحدث استثنائي في توقيته، يُعيد وضع لبنان على الخريطة الدولية من زاوية مختلفة. ومع أن الفاتيكان يقدّم الزيارة كرسالة سلام، إلا أن السؤال الأهم سياسي بامتياز: لماذا الآن؟ وما الذي يعنيه أن يتحرّك رأس الكنيسة الكاثوليكية نحو بيروت تحديداً في لحظة تُعَدّ الأكثر توتراً في المنطقة؟

مسار الزيارة: برنامج مكثّف ورسائل موزّعة بدقة

وصل البابا لاون الرابع إلى بيروت في 30 تشرين الثاني 2025، في زيارة بدا واضحاً منذ لحظاتها الأولى أنها تحمل بعدًا سياسيًا يتجاوز الإطار الديني التقليدي. فقد خصّص لبنان اليوم الأول لاستقبال رسمي شارك فيه الرؤساء الثلاثة وشخصيات دبلوماسية وروحية، في مشهد يؤكّد أن الدولة تريد إظهار تماسكها المؤسسي رغم الضغوط الداخلية والخارجية.
كما وتضمن البرنامج سلسلة لقاءات مدروسة، كل منها موجّه إلى ملف حساس يشغل الساحة اللبنانية:
• اجتماع في القصر الجمهوري خُصّص لاستعراض الوضع الأمني على الحدود الجنوبية وتداعيات الخروقات الإسرائيلية المستمرة، وما تفرضه من مخاطر على الاستقرار الهش.
• لقاء مع رئيسي مجلس النواب والحكومة ركّز على مسألة “استقرار المؤسسات”، وهو تعبير يشير إلى الشلل السياسي وتراجع قدرة الدولة على اتخاذ قرارات تتعلّق بالأمن والاقتصاد والإصلاحات.
• لقاء خاص مع ممثلين عن المجتمع المدني عُرضت خلاله تحديات النزوح السوري، والانهيار الاقتصادي المتفاقم، ودور المؤسسات الاجتماعية في سدّ الفراغ الذي تتركه الدولة.
ويكشف مسار الزيارة، بوضوح، أن البابا لا يأتي من أجل الدخول في عمق الملفات التي تعيد رسم مستقبل لبنان: الحدود، الأمن، المسار السياسي، وقدرة الدولة على الصمود. فقد يعكس فالبرنامج المكثّف حرص الفاتيكان على توجيه رسائل دقيقة إلى الداخل اللبناني وإلى الأطراف الدولية المعنية بالملف اللبناني.

أبرز تصريحات البابا: حدود بين الروحي والسياسي

في اليوم الثاني من زيارته، ظهرت النبرة السياسية الأكثر وضوحًا في خطابات البابا لاون الرابع. صحيح أن كلامه حمل البعد الرعوي التقليدي، لكنه تضمّن رسائل موجّهة بدقة إلى الداخل اللبناني وإلى المجتمع الدولي. فقد شدّد على أنّ “الكرامة الإنسانية لا تُحمى في دولة مشلولة”، في إشارة مباشرة إلى مسؤولية المنظومة عن الإنهيار الاقتصادي. لقد اعتبر هذا الموقف، رغم بساطته الظاهرية، أحد أكثر التصريحات حدّة لأنه وضع المسؤولية السياسية في الواجهة من دون مواربة. وحين تطرّق إلى السلم الأهلي، قال إنّ “لبنان ليس فكرة يمكن خسارتها”، وهي عبارة بدت كتحذير مبطّن من مخاطر التدهور الأمني وتسارع التوترات في الداخل وعلى الحدود. استخدامه توصيف هشاشة الاستقرار لم يكن عفويًا، بل جاء ليؤكد أن الوضع يتطلّب إدارة أكثر مسؤولية وإعادة ضبط للخطاب السياسي. وفي حديثه عن تركيبة المجتمع اللبناني، أصرّ على وصف لبنان بـ“المختبر الإنساني القابل للإصلاح”، مبتعداً عن أي خطاب من شأنه تكريس الطائفية أو تثبيت مواقعها التقليدية. مما سمح لهذا الموقف بالإنسجام مع دعمه للنموذج المدني، وأوحى بأنّ اللحظة السياسية الراهنة تحتاج إلى إعادة التفكير في شكل الدولة لا الاكتفاء بتدوير الأزمة داخل الإطار الطائفي المعتاد.

ماذا بعد زيارة البابا؟

من الواضح أن زيارة البابا ستحمل رسائل قوية إلى الداخل اللبناني والمجتمع الدولي، وما زال تأثيرها يتكشف مع مرور الأيام. على المستوى الداخلي، أشارت تصريحات البابا إلى ضرورة ضبط الأوضاع السياسية والأمنية، ما يضع ضغوطًا غير مباشرة على القوى اللبنانية لتفعيل المؤسسات وتجنب الانزلاق نحو أي أزمة جديدة. في ظل التوتر المستمر على الحدود الجنوبية والخروقات الإسرائيلية، تكتسب هذه الرسائل أهمية مضاعفة، إذ تدفع الأطراف اللبنانية إلى تبني سياسات ضبط الحدود وتعزيز التنسيق بين الجيش والأطراف السياسية للحد من أي مواجهة محتملة. أمّا على المستوى الدولي، أعادت زيارة البابا لبنان إلى دائرة الاهتمام الغربي، حيث يرى المجتمع الدولي أن أي تصعيد على الحدود لن يؤثر على لبنان فحسب، بل على استقرار المنطقة بأسرها. وبهذا تفتح الرسائل البابوية المجال أمام ضغط دبلوماسي جديد على الأطراف اللبنانية، وتشكل إشارة لإسرائيل بأن أي تصعيد قد يخضع لمراقبة دولية دقيقة. قد يسهم هذا الاهتمام الدولي في توفير غطاء لدبلوماسية لبنانية أكثر نشاطًا وفعالية في التعامل مع الملفات الحدودية والنزوح والمساعدات الإنسانية.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن قدرة الدولة على ترجمة الرسائل البابوية إلى خطوات عملية لضبط الحدود والاستقرار السياسي قد تؤثر مباشرة على تدفق الدعم الدولي والمساعدات الإنسانية. بعبارة أخرى، إن أي تصعيد أمني سيكون له تأثير فوري على الأسواق والسلع الأساسية، بينما يخلق التركيز على الرسائل الدبلوماسية للزيارة مساحة مؤقتة لتخفيف الأزمات الاقتصادية. أخيراً، لن تكون زيارة البابا في المحصلة مجرد حدث ديني، بل ستشكل نقطة تحوّل محتملة، حيث يعتمد مستقبل الاستقرار الداخلي والأمني والاقتصادي على مدى قدرة القوى اللبنانية على قراءة الرسائل الدولية، والالتزام بخطوات عملية للحفاظ على السلام والحدود، وتجنب أي انزلاق نحو حرب جديدة مع إسرائيل أو حصول توترات داخلية قد تفاقم حدّة الأزمة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top