
كتب د. عبدالله بارودي
رسالتان قويتان وجههما الدكتور سمير جعجع في كلمته خلال انعقاد المؤتمر العام لحزب “القوات اللبنانية” لكل من رئيسي الجمهورية والحكومة جوزاف عون ونواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري..
وانصبّ اهتمام كل المراقبين والمحللين على قراءة الرسالتين بهدوء وتأني واعتبار ما أقدم عليه جعجع هو الخطوة او المحاولة الأخيرة بإتجاه تصويب المسار الرسمي على صعيد قضيتين أساسيتين وهما : نزع سلاح “حزب الله”، وقانون الإنتخابات النيابية -وتحديدًا- مسألة انتخاب المغتربين.
جعجع يعلم بقرارة نفسه، وان خصّص عون وسلام بمسألة سلاح الحزب، وبري بقضية الإنتخابات النيابية، ان الرؤساء الثلاثة منغمسين ومشتركين في الملفات الثلاثة بالتضامن والتكافل، مع احتفاظ كل واحد منهم بإسلوبه وسلوكه الخاص..
لكن ما يلفت الإنتباه في كلمة “الحكيم”، هو عدم اختصار “رسائلها” بإثنتين كما قرأها البعض، بل تعدتها الى رسالتين لا تقلان أهمية عن سابقاتها، استطاع جعجع بحنكته تقطيعهما وتمريرهما بهدوء وسلاسة ومن دون ضجيج يذكر حولهما نتيجة تركيز الجميع على رسالتيّ الرؤساء الثلاثة حصرًا !!..
فما هي بإختصار الرسائل الاربعة التي حملتها كلمة سمير جعجع؟؟.
الرسالة الأولى: الإعتراف
للمرة الأولى يعلن جعجع وبهذه الصراحة ومن دون مواربة، أنه كان السبب الحقيقي والرئيسي وراء انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية، علمًا ان سردية القوات سابقًا كانت تقوم على ان خطوة ترشيح عون أتت كردة فعل على تبني الرئيس سعد الحريري ترشيح الوزير فرنجية!..
فماذا قال جعجع في كلمته بهذا الخصوص:” …. فترة من التعطيل الممنهج، استخدم فيها الفريق الآخر كلّ أدوات الانقلاب على الدستور والمؤسّسات، وتوازيا مع العمل على ختم جرح قديم داخل المجتمع المسيحيّ، وبمحاولة لإنقاذ الجمهوريّة من مخطّطات إفراغ المؤسّسات، أرست القوّات مصالحة شجاعة، وسارت بترشيح رئاسيّ عام 2016 على أسس سياديّة واضحة…”
الرسالة الثانية : النظام السياسي
عاد الدكتور جعجع لنغمة اعادة النظر بتركيبة النظام السياسي في لبنان غامزًا من قناة ” الفيدرالية” دون ان يسميها، ما يطرح تساؤل حول مدى استعداد “القوات” للسير قدمًا في هذا الطرح ومدى تجاوب حلفاؤهم بهذا المسار الدستوري الجديد؟ .. حيث قال جعجع في كلمته : ” … من هذا المنطلق، نحن مصمّمون، وبمجرّد أن تسمح لنا الظروف، على طرح إعادة النظر بتركيبة الدولة الحاليّة تطلّعا للأفضل، ولكن كلّ ذلك ضمن حدود لبنان المعترف بها دوليّا، ضمن الـ 10.452 كلم²…”
الرسالة الثالثة : حلّ “حزب الله”
كلّنا يعلم ان “القوات اللبنانية” من أول الداعمين لرغبة أغلبية اللبنانيين بنزع سلاح “حزب الله” وتسليمه للجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية.. لكن للمرة الأولى يخرج رئيسها بشكل علنيّ مطالبًا ليس فقط بنزع السلاح من الحزب، بل بحلّ تنظيم “حزب الله” العسكريّ والأمنيّ بشكل كامل. فهل هي مقدمة لمطالبة القوات مستقبلًا بحلّ الحزب سياسيًا في حال سمحت الظروف والتوازنات السياسية المحلية والإقليمية بذلك؟ .. جعجع قال في هذا الصدد: “… أصبح واضحًا للقاصي والداني أنّ التنظيم العسكريّ والأمنيّ لحزب الله هو في صلب المشكلة الكبرى التي نعيشها. والجميع مجمع على أنّ حلّ التنظيم العسكريّ والأمنيّ لحزب الله هو المقدّمة الإجباريّة لأيّ انفراج للوضع الماليّ. من جهة ثانية وأساسيّة، إنّ وجود التنظيم العسكريّ والأمنيّ لحزب الله هو أصلا عالة كبرى على الجسم اللبناني؛ فهذا الوجود مناقض تماما لاتفاق الطائف وللدستور، كما هو مسؤول عن وضعيّة “اللادولة” التي نعيش فيها منذ ما يزيد على ثلاثين عاما….”.
الرسالة الرابعة : قوانين لا قانون
من المرات القليلة التي لم يحصر فيها “الحكيم” مطالبته الرئيس بري بطرح مشروع الحكومة الإنتخابي او اقتراح النواب للهيئة العامة، بل تعداها هذه المرة لطرح كل مشاريع القوانين الإنتخابية المقترحة على التصويت. وهو ما يوحي بثقة جعجع من ان التصويت النيابي بالنهاية سيصبّ بالإتجاه الصحيح الذي يدعم رؤية القوات وحلفائها.. حيث قال جعجع في رسالته لبري: ” … أصارحك اليوم وأن أطلب منك أن ترحم المجلس النيابيّ والحكومة واللّبنانيين جميعا، مقيمين ومنتشرين، بتوقّفك عن التعطيل، وإحالة كلّ ما له علاقة بقانون الانتخاب إلى الهيئة العامّة في أسرع وقت ممكن، وعلى الهيئة العامّة عندها أن تتّخذ القرار المناسب…..”.
رسائل أربعة تضمنتها كلمة جعجع فلنتتبع مسارها جيدًا في قادم الأيام!..
