
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
في الرابع والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول عام 1945، لم تولد الأمم المتحدة نتيجة انتصار عسكري فحسب، بل انبثقت من رماد كارثة عالمية مدمرة. كانت المنظمة في بدايتها ليست مجرد مؤسسة تمثل “القوة المنتصرة”، بل كانت بمثابة شمعة أمل وحكمة أُضيئت في قلب العتمة العالمية، استجابةً مباشرة للخوف المشترك للبشرية على مصيرها من التدمير الذاتي.
اليوم، بعد مرور ثمانية عقود على تأسيسها، يقف العالم عند منعطف تاريخي جديد ومختلف جذرياً. لم تعد التهديدات الرئيسية تأتي من جيش تقليدي يعبر الحدود، بل من هشاشة الوجود البشري والكوكبي ذاته. نحن نواجه أخطاراً وجودية متداخلة:
هشاشة المناخ والنظم البيئية: الخطر الذي يهدد استمرارية الحياة على كوكبنا.
هشاشة كرامة الإنسان: خاصة في عصر تسيطر فيه الخوارزميات والتقنيات المعقدة على القرارات والمصائر الفردية.
وفي هذا السياق الجديد، فإن الدور المطلوب من الأمم المتحدة قد تجاوز كونه مجرد تنظيم لجلسات ومفاوضات بين الدول. إنها مدعوة اليوم إلى أن تتجاوز كونها “قاعة اجتماعات” دبلوماسية لتُصبح الضمير الحي واليقظ للحضارة البشرية، تقود العالم نحو مئوية جديدة تقوم على الحكمة لا على الخوف.
أولاً: من سيادة الدول إلى سيادة الوجود: مجلس الحكمة الكوني
لقد قام النظام العالمي القديم، الذي تأسست عليه الأمم المتحدة في القرن العشرين، على مبدأ سيادة الدولة المطلقة وحرية التصرف ضمن الحدود الصلبة. لكن هذا المنطق لم يعد صالحاً في عالم مترابط يواجه تهديدات عابرة للحدود.
إنّ القرن الحادي والعشرين يفرض علينا سيادةً عليا من نوع جديد. هذه السيادة ليست سياسية، بل وجودية:
سيادة الكوكب على سكانه: أي أولوية حماية النظم البيئية والمناخ على المصالح الاقتصادية الضيقة للدول.
سيادة المستقبل على إرادة الحاضر: أي أن القرارات المتخذة اليوم يجب أن تخدم مصالح الأجيال التي لم تولد بعد.
مقترح: مجلس الحكمة الكوني
لهذا السبب، يُطرح مقترح تأسيس مجلس حكمة كوني. هذا المجلس لا يهدف إلى إصدار القرارات السلطوية (مثل مجلس الأمن الحالي)، بل إلى إصدار الضمير وتذكير أصحاب النفوذ بالحقيقة الثابتة.
يجب أن يتجاوز تكوين هذا المجلس التمثيل السياسي التقليدي ليشمل أصواتاً تمثل الحقيقة والمستقبل:
فلاسفة وعلماء بيئة: لتقديم رؤى عميقة مبنية على المعرفة العلمية والأخلاقية.
ممثلو الأجيال القادمة: لضمان إعطاء صوت للمستقبل في قرارات الحاضر.
آليات ذكاء اصطناعي متقدمة: لتقديم تحليلات موضوعية للحقائق والبيانات بعيداً عن التحيز السياسي.
هذا المجلس سيكون بمثابة هيئة تسعى للحقيقة وتضعها أمام السلطة، لتثبت للعالم أن بناء الأمم والحضارة يقوم أحياناً على ما هو ضروري ولا بدّ منه للبقاء، وليس فقط على ما هو ممكن سياسياً.
ثانياً: من أمن الحدود إلى أمن الحياة: مجلس الأمن الوجودي
لقد كانت البشرية دائماً تخوض حروباً إقليمية، لكنها لم تستوعب بعد بشكل كامل مفهوم الفناء الوجودي الذي يهددها كنوع. فالخطر اليوم لم يعد يتمثل في جيوش تتقدم لاحتلال الأراضي، بل في عوامل تهدد أساس حياتنا:
كوكب يتقهقر ومناخ يغلي.
ذكاء اصطناعي متفوق قد يتجاوز الحكمة الأخلاقية لمنشئيه.
مقترح: مجلس الأمن الوجودي
لم يعد كافياً أن يكون لدينا مجلس أمن تقليدي يحمي الحدود السياسية؛ بل نحتاج إلى مجلس أمن وجودي يحرس حدود الحياة ذاتها. يجب أن يُعاد تعريف الأمن ليشمل الأمن البيئي، والتكنولوجي، والوبائي.
الميزة الأهم لهذا المجلس هي آليته الجديدة للتعامل مع حق النقض (الفيتو). يجب أن يمتلك المجلس الآلية لـتقييد حق الفيتو أو تعليقه مؤقتاً في حالات محددة:
عندما يُقرّ العلم—وليس المصالح السياسية أو الاقتصادية—بأن تهديداً وجودياً وشيكاً يمس البشرية جمعاء (مثل كارثة مناخية أو خطر تكنولوجي غير منضبط).
هذا التقييد ضروري لأن العالم لم يعد يحتمل أن يكون رهينة لامتيازات سياسية قديمة. إن التهديدات الوجودية تتطلب سرعة أخلاقية في اتخاذ القرار، تتجاوز حسابات النفوذ التقليدية.
ثالثاً: من عدالة الانتصار إلى عدالة الاعتراف
إنّ السلام الحقيقي لا يُبنى على نسيان الماضي أو إخفاء الحقائق التاريخية، بل على مواجهتها بجرأة. فالعالم اليوم مثقل بـجروح تاريخية لم تلتئم، لأن التواريخ غالباً ما تُكتب من منظور المنتصر أو تُخفى لمصلحة القوى النافذة.
لذلك، يجب أن نتجاوز مفهوم “العدالة الانتقالية” التقليدية، التي تركز على المحاكمات والعقوبات (أي عدالة الانتصار)، إلى مفهوم أعمق هو “عدالة الاعتراف”. الهدف ليس محاكمة الشعوب أو إذكاء الثأر، بل مصالحة الشعوب مع ذاكرتها المشتركة، وإقامة جسور الثقة على أساس الحقيقة. إنّ الاعتراف بالخطأ التاريخي هو الخطوة الأولى نحو ضمان عدم تكراره.
لتحقيق “عدالة الاعتراف”، يُقترح تأسيس الآليات التالية ضمن الأمم المتحدة:
1. أرشيف للذاكرة العالمية
هذه ليست مجرد مكتبة، بل هي منصة حية ومحايدة لـحفظ “روايات البشر كما تروى”. يهدف الأرشيف إلى جمع وحماية شهادات الضحايا والجماعات المهمشة، لضمان عدم طمس أصواتهم، وتقديم التاريخ من وجهات نظر متعددة ومختلفة، لا كما تُريد السلطات أن يُروى.
2. محكمة حكمة (Court of Wisdom)
على عكس المحاكم الجنائية الدولية، لا تصدر هذه الهيئة أحكاماً قضائية تقضي بالسجن أو الغرامة. مهمتها الأساسية هي دراسة النزاعات التاريخية والمعاصرة، وإصدار تقارير تحليلية وموضوعية تهدف إلى استخلاص الدروس الأخلاقية والإنسانية للجمهور العالمي، مما يساعد في فهم جذور الصراعات وتجنب تكرارها مستقبلاً.
3. مركز للاستباق الأخلاقي (Center for Ethical Foresight)
هذا المركز مهمته تكمن في رؤية بذرة الحرب قبل أن تراها فوهات المدافع. إنه يعمل كـ”نظام إنذار مبكر أخلاقي”، يقوم بتحليل الخطابات، والتغيرات المجتمعية، والتوجهات التكنولوجية التي قد تؤدي إلى صراعات أو انتهاكات جماعية. ويهدف إلى تحديد الأزمات المحتملة بناءً على مؤشرات أخلاقية وإنسانية، وليس فقط عسكرية أو سياسية.
إنّ الهدف النهائي من هذه الآليات هو استخدام الذاكرة كأداة قوية لـعدم تكرار الخطأ، وإغلاق الباب أمام استخدامها كوسيلة للثأر والانتقام.
من اقتصاد القوة إلى اقتصاد الكرامة
إنّ الاستقلال المالي للأمم المتحدة هو حجر الزاوية لتحقيق استقلالها السياسي وقرارها الحر. لا يمكن لمنظمة وُلدت لتمثل البشرية أن تكون رهينة لميزانيات الدول الكبرى، لأن التمويل الذي تُسيّره “إرادة القوى” يقوض حتماً حرية القرار العالمي ويجعل المنظمة عرضة لتمرير مصالح الممولين.
لذلك، تحتاج الأمم المتحدة إلى استقلال مالي حقيقي ومستدام ينبع من مصادر تُعبّر عن الإنسانية ككل، لا من الدول منفردة. هذا التحول ليس مجرد تغيير في الأرقام، بل هو إعلان سيادي بأنّ مستقبل البشر ليس مُلكاً للمحظوظين منهم.
لتحقيق هذا الاستقلال، يجب تبني آليات تمويل جديدة ومبتكرة، تتضمن ما يلي:
1. ضريبة المسؤولية الكونية
هذه الضريبة ليست ضريبة دخل تقليدية، بل هي رسم رمزي يُفرض على الأنشطة أو المعاملات التي تحمل بصمة عالمية واسعة (مثل ضريبة على الصفقات المالية الكبرى، أو على الانبعاثات الكربونية الزائدة). الهدف منها هو جعل الشركات والأفراد الذين يستفيدون من النظام الكوني يساهمون في حمايته ورعايته.
2. سندات المستقبل (Future Bonds)
هي أداة تمويل جماعي تتيح للأفراد والمؤسسات حول العالم الاستثمار في مشاريع الأمم المتحدة طويلة الأجل المتعلقة بالمناخ، التعليم، والسلام. إنها تسمح لعامة الناس بأن يصبحوا مساهمين فعليين في مصير الكوكب، مما يخلق رابطاً مباشراً بين المواطن العالمي ومؤسسة الأمم المتحدة.
3. وقفية إنسانية (Humanitarian Endowment)
تأسيس صندوق استثماري ضخم دائم، يُدار وفق مبادئ الاستدامة، وتُستخدم عوائده لتمويل الأنشطة الأساسية للأمم المتحدة. هذه الوقفية تضمن دفقاً مالياً ثابتاً ومستقلاً عن التقلبات السياسية أو التزامات الدول الأعضاء.
إنّ تبني هذه المبادرات يُحوّل الأمم المتحدة من متلقٍ للمنح إلى كيان يتمتع بـاقتصاد الكرامة، حيث يُستمد تمويلها من التزام أخلاقي واسع، وليس من حسابات القوة والنفوذ.
ميلاد جديد للحكمة
دعونا نتخيل معاً شكل قاعة الأمم المتحدة في عام 2045، وهو العام الذي يلي قرنها الأول. في هذا التصور، لن تقتصر القاعة على رفع أعلام الدول فقط؛ بل ستُعرض فيها شاشات عملاقة تُبيّن حالة الأرض في الوقت الفعلي: مستويات الانبعاثات، وصحة النظم البيئية، وحالة التنمية البشرية.
وفي هذه القاعة، سيجلس ممثلون عن الدول إلى جانب ممثلين عن الأجيال التي ستولد غداً، ممن يمتلكون حقاً أصيلاً في الدفاع عن مستقبلهم. حينها، لن تُدار الجلسات والمفاوضات من منطلق الخوف من “الآخر” أو الرغبة في الانتصار عليه، بل من دافع الخوف على الذات المشتركة التي تجمعنا على هذا الكوكب الواحد.
قد يصف البعض هذه الرؤية المتكاملة بأنها طوباوية أو مثالية يصعب تحقيقها. لكن يجب أن ندرك أن الطوباوية الحقيقية والخطيرة هي أن نتمسك بـ”وهم” مفاده أن أدوات الماضي وآليات الأمس، المصممة لمواجهة تهديدات تقليدية، قادرة على حماية مصيرنا في مواجهة تحديات الغد الوجودية.
لقد ولدت الأمم المتحدة بالفعل من رحم الحرب والدمار العالمي في عام 1945. لكن دعوتها التاريخية اليوم هي أن تُقدم على ميلاد جديد ينبع من رحم الحكمة والبصيرة.
إنّ الخطر الأكبر الذي يهدد البشرية اليوم ليس في طبيعة الصراعات نفسها، بقدر ما هو في نسيان حقيقة أنها عائلة واحدة تعيش على كوكب واحد مصيره مشترك. وعليه، فإن المواجهة الكبرى والحاسمة لم تعد بين دولة وأخرى، بل هي معركة مصيرية بين وعي الإنسان وقدرته على التكيف، وبين زحف الفناء الشامل الذي يهدده.
علينا أن نختار الوعي والعمل المشترك، كي لا نموت صامتين… مرة أخرى.
